Make your own free website on Tripod.com
الجزء الأول - مدخل عام للطريق للحياة

 

أولاً   تمهيد عام للطريق للحياة

قفوا على الطريق وانظروا .. أين هو  الطريق الصالح .. فسيروا فيه

فتجدوا راحة لنفوسكم (أر6)

قد أخبرني الرب كلامه الذي هو الكتاب المقدس الذي كل كلمة فيه تحيي الإنسان ، فهو الطريق نفسه ، أي كل مَن يريد أن يصل إلى الله يسير في هذا الطريق .. الذي هو كلامه ، أي أن كل كلمة من كلام الله هي  خطوة  في الطريق لابد أن نعيشها هذا إذا أردنا في النهاية أن نصل إلى الله. إذن .. فكان يجب أولاً أن نهتم ونسعى أن نفهم معنى كل كلمة مكتوبة لأنه مكتوب "فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح " (في1: 27) ، ومعنى هذا الكلام أنه إلزام من الرب أن نعيش كل كلمة كحياة حقيقية عملية . وكلمة فقط تعني أنه بالفعل كل كلمة مكتوبة ليست لتوضيح معنى أو فتح ذهن على قضية بل هي فعل وجهاد وعمل يجب أن يعمله الإنسان وأن الرب يشرح في كل كتابه الطريق أي كيف نصل إليه كحياة عملية ، أي ماذا نعمل كخطوات حتى نصل إلى الكمال . فكل كلمة نعيشها نقترب من الله أكثر لأن كل كلمة هي خطوة في الطريق لهذا فكلما نعيش كل كلمة نقترب إذن من الله أكثر فيكون لنا فيه حياة أكثر ، لهذا أخبرنا الله أن :

كل كلمة تخرج من فم الله تُحيي الإنسان (مت4: 4)، فكلمة الله هي  السراج  للطريق وبدون أن نفهم كل كلمة سنصير كالعميان الذين لا يرون لأنه مكتوب "سراج لرجليكلامك ونور لسبيلي" (مز119: 105) غير أنه كل كلمة عندما يعيشها الإنسان فهو يخطو خطوة في الطريق أي يقترب إلى الله أكثر ليعود أولاً إلى صورة آدم وبهذا يكون قد وُلِدَ من الماء أي يصير نقياً أي إن كل كلمة في الكتاب ستَلِد الإنسان الولادة الحقيقية بعد الموت الذي ولدنا فيه الذي هو العبودية فمكتوب "شاء فولَدنا بكلمة الحق" (يع1: 18)، و أيضاً "  مولودين ثانيةً  لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى  بكلمة الله الحية " (1بط1: 3و23) ، فكل كلمة مكتوبة من الله هي روح وحياة قادر الله أن يزرعها فينا كالبذرة التي إذا ماتت ودُفنَت ستأتي في النهاية بعد طريق طويل بثمار حقيقية ، وبالطبع إذا توفرت لها شروط الزراعة . والله يريد منا أن نريد فقط فسيفتح الله أذهاننا ليعرِّفنا معنى كل كلمة فحينئذٍ سنعرف ماذا نفعل حتى نعيش كلامه هذا ، فالقضية مشروطة تماماً على إرادة الإنسان فمكتوب أيضاً "اقبلوا  الكلمة المغروسة  فيكم القادرة على أن تخلِص نفوسكم" (يع1: 21). ومَن استمر يطلب من الله أن يصل إليه سوف يستمر يسأل عن معنى كل كلمة ، فمكتوب "متمسِّكين بكلمة الحياة" (في2: 16) وهذا لو وثقنا أن كل كلمة بالفعل تُحيي الإنسان ، لهذا قال الرب " الكلام الذي أكلمكم به هو  روح  و  حياة" (يو6: 63) فعندما ندرك كل كلمة ونفهمها أيضاً ستكون أيضاً سلاح معنا لا يقدر إنسان أن يُزعزعنا أو يحيدنا عن الطريق لفهمنا إياها كما هو مكتوب "احملوا سلاح الله الكامل .. .. وسيف الروح الذي هو كلمة الله"(أف6: 13و17) ، وبالطبع بعد أن يزرع الرب فينا كلمته بنفسه لأنه وعدنا "كل غُرس يغرسه أبي السماوي لا يقدر أحد أن يقلعه وكل غرس لم يغرسه أبي السماوي يُقلَع" (مت15: 13) و أيضاً مكتوب "فإنه لا يستطيع أحد أن يضع أساساً آخر غير الأساس الذي وُضِعَ والذي هو يسوع المسيح" (1كو3: 11) الذي هو الله الإله عندما جاء في صورة إنسان وعاش كل كلمة بنفسه لهذا صارت حياة المسيح هي  الأساس     والطريق   الوحيد الذي يؤدي إلى الله ، أي الذي أدرك أن حياة المسيح هي الصورة  التي يريدنا الله أن نكون فيها وأن نصل إليها والتي خلقنا لنكون عليها .. ستكون حياة المسيح هي الهدف الذي يجب أن يسعى أن يعيشه ويتممه ليصل إليه أي يسلك كما سلك المسيح تماماً ، و أيضاً هو الأساس أي حجر الزاوية الذي به يستطيع الإنسان أن يبدأ أن يبني هيكل روح الله وهو نفسه أي سيبدأ يسلك كما سلك المسيح كما بنى نوح الفُلك الذي كان يرمز  لحياة المسيح  أي الجهاد الذي جاهده الرب وليس كما اعتقد البعض أن الفلك هو رمز للمسيح ، فعندما بدأ يبني نوح الفلك كان هذا رمزاً لإنسان بدأ يسلك كما سلك المسيح حتى بعد أن انتهى من بناؤه بجهاد كامل خلُصَ لأنه دخل في الفُلك ، هكذا بجهاد الإنسان بشِبه جهاد الرب أي بشِبه موت الرب سيبدأ يولَد روح الله فيه وينمو شيئاً فشيئاً حتى يكتمل روح الله فيه ، فبهذا ستموت طبيعة الجسد و عبوديته تماماً ، فحينئذٍ يصير عضواً في الله . وبهذا ستكون حياة المسيح العملية هي الطريق أي الطريقة التي تصل بنا لله و الأساس وحجر الزاوية الذي بدونه لم يكن يستطيع أي إنسان حتى مجرد أن يبدأ في البناء ليصل لهذه الصورة لأن  لأن حجر الزاوية هو أساس بناء أي بيت ، و إذا وضع الله هذا الأساس في حياتنا كحجر زاوية بمساندته لنا طوال الطريق فمهما سقطت الأمطار وهبت الرياح وجاءت الأنهار فلن تستطيع أن تحرِّكه أو تُسقِطه هذا لأنه مؤسس على هذه الصخرة التي أسسها الرب وزرعها فينا بنفسه . فإن الله لم ينادي بالطريق بل جاء وعاشه عملياً لهذا لن يكون لأي إنسان عذر في اليوم الأخير ، فكان يمكن لله أن يخبرنا بالطريق كما كان يخبر موسى أو يأتي وينادي بالطريق ، لكن كون أن الله جاء وعاش الطريق بنفسه فهذا أكبر برهان أن الأمر غاية في الأهمية ، وبعد هذا كتب لنا الله حياته التي عاشها على الأرض التي هي  المثال النموذجي  للطريق أي للطريقة التي تصل بنا للخلاص وللكمال ، لذلك فكلمة الله حية وفعَّالة وأمضى من كل سيف ذو حدين وخارقة للنفس وللمفاصل (عب4: 12)، فليس بالخبز يحيا الإنسان بل  بل بكل كلمة  تخرج من فم الله . والذي بدأ تنفتح بصيرته وعرف الحق سيجد شبعه الدائم في كلام الله بل وسيلهج فيه نهاراً وليلاً (مز1: 2) لأن الإنسان يحتاج إلى شبع مستمر ، فلأنه وجد متعته في الرب وفي كلامه فصار كلامه حلواً في حلقه كما قال النبي "وجدت كلامك كالشهد فأكلته ، ولكل كمال رأيت حداً أما وصاياك فواسعة جداً" (أر15: 16 ، مز119: 96) وهذا لأنه أدرك أن كل كلمة هي حياة عملية وخطوة سوف تُقرِّبه إلى الله أكثر لو عاشها كما فعل المسيح ، فكان بالأولى أن يفهم الإنسان كل كلمة ويلهج فيها حتى يضمن انه سيعيشها . أما الذي مازال بالجسد فإن الطعام هو مازال قوته وشبعه لهذا لا يجد أي تذوق أو متعة أو شبع في كلام الله لأنه ينمو بالجسد . فإن الله تجسد وجاء وعاش كإنسان وكتب لنا في كتابه كيف كان يعيش وهذا حتى يؤكد لنا أن كل كلمة مكتوب في إنجيله [أي الخبر الذي تركه لنا أي بشارته] هي حياة ستحيينا ، إذن .. فكل كلمة حياة لابد أن نعيشها ، فهو الطريق الذي سيصل بنا إلى الله . لهذا قال لنا الرب "أنا هو الطريق" (يو14: 6) أي الذي سيسلك كما سلك الرب فهو بذلك سيسير وسيصل [كما وصل الرب عندما كان يرينا الطريق كإنسان] ، أي سيمتلئ كل الملء من الله وسيصير صورة الله ، كما أرانا الله بنفسه ما هي صورة الله فأخذ نفس طبيعتنا ليؤكد لنا أننا نستطيع أن نصل . وطلب الرب منا أن نصل إلى نفس قامته هو عندما كان بالجسد ، لهذا مكتوب "لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله لكي تصلوا إلى إنسان كامل وإلى قياس قامة ملء المسيح" (أف4: 13)  فالمسيح هو صورة الله وهي الصورة التي خلقنا لكي نصير فيها وجاء بنفسه بنفس طبيعتنا ليرينا كيف نصل إلى هذه الصورة أي صورة الابن التي كان يشتاق الله أن نكون فيها ويؤكد لنا أننا بهذه الطبيعة الترابية الضعيفة التي شابهنا الرب فيها نستطيع أن نصل إلى الكمال الذي هو صورة الله ، لهذا أوصانا "التفتوا إليَّ واخلُصوا" (أش45: 22) . فالذي يريد أن يصل يسأل ، إذن .. حياة المسيح العملية هي الطريق نفسه أي مَن يسلك كما سلك الرب ويموت بشِبه موت الرب فهو بذلك يسير الطريق أي يقترب إلى الله أكثر ، وكل كلمة في الكتاب أيضاً هي الطريق أي تؤكد لنا أن الجهاد الذي جاهده الرب هو الطريقة الوحيدة للخلاص والحرية والقيامة ، ولا توجد طريقة أخرى للخلاص وللوصول لله غير الجهاد والحياة التي عاشها الرب وهي التغصُّب والجهاد في الصوم والصلاة التي جاء الله بنفسه وأرانا إياها ، أي أن حياة المسيح هي الطريق وكل كلمة في الإنجيل هي الطريق أيضاً لأنها تؤكد لنا أننا لابد أن نسلك كما سلك الرب أي تؤكد لنا أن الجهاد في الصوم والصلاة هما الطريق الوحيد للخلاص ، ولا يستطيع أحد بأي طريقة أخرى يقدر أن يخلص فلا يستطيع أحد أن يضع أساساً آخر إلا الذي وُضِعَ وهو حياة يسوع المسيح العملية . فإن الله قد تجسّد ليس فقط لكي يتمم الفداء بل هناك هدف آخر أساسي أوّلي وهو أن يعلّمنا الطريق بنفسه الذي يحررنا من العبودية التي هي أصل المرض كما أكّد الكتاب و كما أخبرتنا كلمة الله إن المسيح تألم بالجسد فتسلّحوا انتم أيضاً بهذه النية ، وعاش المسيح مماتاً في الجسد [ليس لكي يفدينا بل] تاركاً لنا  مثالاً  لكي نتتبع نحن أيضاً أيضاً  خطواته  .

 

وها وعد الرب دائماً   أميلوا آذانكم    وهلموا إليَّ  ..  اسمعوا   فتحيا نفوسكم . فأنا هو الطريق والحق والحياة.

فليتنا لا نترك شعيرنا مسبلاً حتى لا يُضرَب (خر9: 31) بل نعمل بكل قدرتنا فنكتال ستة أكيال الشعير من إلهنا عزِّنا (راعوث3: 15) حتى نصعد مع الرب بعد 6 أيام (مر9: 2) فنتمجَّد معه لنملأ أجراننا الستة بالماء ليحوِّل الرب طبيعتنا المائعة لخمر حقيقي (يو2: 7) لنُسبَى بجماله فنعبر 6 أيام الخليقة (تك1) لنصير خليقة جديدة فنصير صورة الله ومثاله فندخل مخدعنا في الخفاء مع أليصابات خمسة أشهر [150 يوم] (لو1: 24) حتى نستطيع أن نهزم جليات بخمسة الحجارة المُلس (1صم17: 40) التي أسسها الرب في أعضائنا فنُجرِّد عدونا من كرامته ليخلع حذاءه فلا يصير له سلطان بعد علينا (راعوث4: 8)  حتى نجعل الرب أبو كل عِزّ (بوعز) يفُكّ فكاكنا ورباطاتنا (راعوث4: 4) حتى يخرج ماء العالم أيضاً بعد خمسة أشهر [150 يوما] (تك8: 3) ليستقر فلكنا على أراراط [أي اللعنة المعكوسة] بعد خمسة أشهر [150 يوم] (تك8: 4) حتى تموت اللعنة القديمة وهي عبوديتنا لجسدنا ونصير عبيد لله (غلا3: 13) فتمتلئ مصابيحنا الخمسة بروح الله حتى لا نصير جهلاء (مت25: 3) ، فننتظر 73 يوماً أيضاً (تك8) نحفظ كلام الرب بكل أسفاره حتى تظهر رؤوس الجبال (تك8: 5) وهم القديسون .

 


ثانياً   مقدمة المدخل للطريق إلى الحياة .

أخبرني الرب أن كل إنسان في هذه الحياة يحتاج أن يعرف فقط ثلاثة أمور هامة جداً ، وهذه الأشياء أي هذه المعرفة هي  الحق  كله وهذا بالطبع لمَن يطلب الحق ويطلب أن يعيش فيه ولا يريد أن يعيش في الباطل لأن المسيح إلهنا عندما تجسد قد أقرَّ وشهد وأكّد وقال "إني وُلِدتُ وأتيت إلى هذا العالم لأشهد للحق وأُعلِنه ، وكل مَن هو مِن الحق سيسمع صوتي" (يو18: 37) أي كل مَن يريد أن يعيش في الحق الذي هو أن يعيش  الهدف والغرض  الذي أوجده الله وخلقه من أجله ، فكل مَن يطلب أن يعرف الحق سيُعلِنه له الرب . وهذه الأمور الثلاثة هي :

 أولاً   .. يجب أن يعرف كل إنسان لماذا خلقه الله أي ما هو  الهدف  الذي جعل الله يخلق الإنسان وأعطاه هذا الوجود .

 

 الأمر الثاني  يجب أن يعرف  ما هو الطريق  للوصول إلى هذا الهدف بعد أن عرفه وكيف يصل لتحقيق هذا الهدف الذي خلقنا الله من أجله لأنه لو عاش أي إنسان كل حياته ومات دون أن يعرف ما هو هدف وجوده في هذه الحياة فسيعيش إذن بدون هدف وبالطبع لن  يسعى  للوصول إلى هذا الهدف إذن .. كل ما سيعمله في هذه الحياة باطل لأنه لا منفعة لكل عمر الإنسان في أي شيء يعمله لهذا العالم الباطل لأن هذا العالم سيزول فكأنه يقبض على الريح ويجري وراء السراب فسيكون هذا الإنسان إذن لا فرق بيته وبين أي مخلوق آخر سواء الحيوان أو الطائر أو النبات لأن الله لم يخلقنا لهذا العالم !!

 ثانياً   .. يجب أن يعرف  أين هو من الرب الآن  .. أي أن يجب أن يعرف كل إنسان الآن أنه مولود بالجسد أي هو مولود ليس في الصورة التي خلق الله عليها الإنسان أولاً بل إن طبيعة الإنسان قد تغيّرت تماماً أي انه صار مثل المريض أو العبد المسبي ، فيحتاج إذن كل إنسان الآن أن يعرف ما هي  الصورة  التي كان عليها الإنسان الأول يوم أن خلق ، وما هو  المرض  الذي دخل فيه  وما هي الصورة  التي صار عليها آدم أي كيف صارت صورة آدم بعد الخطية  وكيف تغيرت و لماذا ؟!

 ثالثاً   .. وبعد كل ذلك يحتاج كل إنسان أن يعرف ما هو  الطريق  الذي يصل به لله أي يجب أن يعرف أولاً ما هو الطريق الذي يعود به لصورة الإنسان الأول يوم أن خلق ، ثانياً .. وبعد ذلك يبدأ يسأل عن الطريق الذي يصل به للهدف الذي خلقه الله من أجله ، أي أن  الطريق لله الآن أصبح مرحلتان .

 

أولاً ..  المرحلة الأولى  في الطريق هي طريق العودة للصورة الأولى التي كان عليها آدم الأول ويجب أن يعرف الإنسان ما هو    العلاج  الذي لابد أن يتممه أي إنسان مولود بالجسد حتى يعود معافى تماماً وفي الحرية التي كان عليها آدم أي يعود  نقياً  كما كان آدم حتى يستطيع حينئذٍ أن يبدأ في المرحلة الثانية .

ثانياً ..  المرحلة الثانية  في الطريق وهي الطريق أي العمل الذي خلق الله الإنسان من أجله وهو الهدف الذي كان على آدم أن يسعى إليه . فإن آدم كان يوم أن خلقه الله إنساناً نقياً جداً ، أي أن نقدر أن ندعوه مولودٌ من الماء وكان حراً وليس تحت ناموس أي ليس تحت سبي وسلطان عبودية تتحكم فيه وتجعله يفعل ما ليس يريده كما نحن الآن أو كما صار آدم بعد أن صار تحت ناموس حواء التي جعلته بالفعل لا يعرف ماذا يفعله ولا يبالي بموته أو بكسر وصية الله . فأي إنسان الآن مولود بالجسد كالمريض المشلول . فإنه لا يقدر أي مريض طريح الفراش أن يصعد لقِمة جبل عالي ، ولا يقدر إنسان مُقيَّد في سلاسل في سجن قوي تحت الأرض ومطلوب منه الوصول لقمة جبل أن يذهب بالفعل لقمة الجبل . ولكن لو أراد بالفعل الوصول لقمة الجبل فإنه يجب أن يعبر  أول مرحلة  وهي مرحلة الحرية من العبودية التي صار فيها وأن يتعافى جيداً من مرضه حتى بعد ذلك يقدر أن يتمم الهدف الذي أمامه . فإن كل إنسان مولود بالجسد مولود في عبودية ومرض  يجعله غير نقي بسبب الشر الذي صار حاضراً عنده .

فيجب على كل إنسان أن يعرف أن الطريق للهدف الذي خلق الله الإنسان من أجله صار الآن مرحلتان : المرحلة الأولى هي  الولادة من الماء  وهي العودة لصورة آدم الأول الذي يعتبر إنسان مولود من الماء ، وهذا المصطلح هو رمز وإشارة لاغتسال الإنسان تماماً من كل خطاياه ، وهذا يصير إذا مات  أصل المرض  وهي  العبودية  التي وُلِدنا نحن فيها . ثم بعد أن يعود الإنسان لصورة آدم الأول فحينئذٍ يستطيع ويقدر بالفعل أن  يولَد من الروح  أي يبدأ يمتلئ من روح الله . لأن الإنسان الأول يوم أن خلقه الله كان مثل إناء نظيف جداً كما كان آدم ، ثم بعد ذلك صرنا مثل إناء اتسخ ولا نقدر أن نملأه من الخمر الجيد ، ولكن علينا  أولاً  كمرحلة أولى أن نغسله وننظفه جيداً حتى بعد ذلك نبدأ في المرحلة الثانية وهي الامتلاء من روح الله . فإن موسى النبي كان رمزاً للمرحلة الأولى وهي التحرر من العبودية التي نحن وُلِدنا بها ، أما يشوع فهو رمز للمرحلة الثانية . لأنه كيف يستطيع إنسان أن يدخل كنعان وهو في مصر في قبضة أصل المرض!!! لهذا أرانا الرب انه حياة موسى كانت 120 عاماً : فالأربعين عاماً الأولى كانت في قصر فرعون ، والأربعين عاماً الثانية كان يرعى غنم يثرون ، ثم الأربعين عاماً الثالثة كان يقود شعب بني إسرائيل . وهذا كان إشارة إلى أن المرحلة الأولى تتضمن الثلاثة أيام التي في نهايتها يقوم الإنسان ، فالأربعين السنة الأولى التي كانت نهايتها انه أراد أن يسير مع الله وأبى أن يُدعَى ابن ابنة فرعون فهي أول خطوة وهي  الإرادة  ، والأربعين سنة الثانية هي جهاده في الصحراء وارتباطه وهي ترمز لارتباط الإنسان بالله وبداية الحياة لهذا مكتوب "يُحيِينا بعد يومين" (هو6: 2) حتى في نهايتها رأى العُلَّيقة وسمع صوت الله وبدأ يتكلم مع الله لأنه بدأ يصير  صُلح  بينه وبين الله وهذا بالتوبة والتنقية . والأربعين سنة الثالثة هي الانفصال عن الله بموت العبودية لهذا أخرج موسى الشعب من عبودية فرعون حتى وصل إلى مشارف كنعان وهذه هي الثلاث ثماني شعير (رؤ6: 6) . أما يشوع فهو يرمز للمسيح الذي هو وحده القادر أن يَلِدنا بالروح . وقد أخبرنا الرب في الكتاب أن أحد أفراد جيش المديانيين (الأعداء) قد حلم أن رغيف خبز شعير يتدحرج في محلة المديانيين وجاء إلى الخيمة وضربها فسقطت وقَلَبها إلى فوق فسقطت الخيمة (قض7: 13) ، وهذا كان رمزاً لإنسان عَبَرَ أول مرحلة أي وُلِدَ من الماء وصار نقياً فاستطاع أن يغلب كل أعداءه لأنه مات الذي كان مُمسَكاً فيه (رو7: 6).

وكان يوحنا المعمدان رمزاً أيضاً لأول مرحلة لهذا رتّب الله أن يعمّد يوحنا المعمدان بالماء وهذا رمزاً وإشارة لعبور أول مرحلة حتى يفهم أي إنسان أن الطريق يحتاج لمرحلتين لهذا نادى يوحنا  أعدُّوا طريق للرب  أنا أعمِّدكم بماء أما الذي يأتي بعدي يعمّدكم بالروح والنار" (مت3: 11). فكلمة عماد تعني اصطباغ أي يصير الإنسان أولاً في صورة آدم بالفعل وكأنه قطعة قماش وُضِعَت في صبغة فصار من نفس لونها هكذا لابد أن يتنقى الإنسان أولاً تماماً ويعود تماماً لصورة آدم أي يصير إنسان بلا خطية كما قال الكتاب "المولود من الله لا يخطئ ولا يستطيع أن يخطئ" (1يو3: 9) وهذا لو مات أصل المرض كما قال الكتاب "أما الآن فقد تحررنا من ناموس الجسد إذ قد مات الذي  كنا ممسكين فيه "(رو7: 6).

ونحن الآن وُلِدنا مرضى ، ولكي نستطيع أن نحقق الهدف الذي خلقنا الله من أجله وهو مثل جبل يجب أن نتسلّقه .. فهذا يحتاج أن يتعافى كل إنسان بل يتعافى تماماً . فإن لم يصير الإنسان سليماً ومعافى كما كان آدم أولاً لا يقدر حتى  أن يبدأ  لأن الطريق ما أكربه !! ويحتاج جهاد حتى الدم لأنه كيف يعتقد إنسان عبد مأسور في زنزانات فرعون الرهيبة مُقَيَّد في سلاسل تحت أعماق الأرض .. انه يقدر أن يحارب في كنعان ؟!! فإن أراد بالحق أن يحارب وينتصر .. عليه أولاً أن يعبر مرحلة أولى أساسية والتي لا يوجَد سبيل أو أي طريق سواه [ والتي بدونها لا يقدر أن يعيش الهدف الذي خلقه الله من أجله ] وهي  أن يتحرر أولاً  وبعد ذلك يهرب ويصل إلى كنعان ليبدأ الحرب . فإن لم يغسل الإنسان إناءه الذي اتسخ : فما فائدة امتلاؤه بالخمر الجيد ؟! لأنه سوف يتسخ في الحال هذا الخمر ولا يكون صالحاً للاستعمال !!

فإن كل إنسان الآن يحتاج أن يعرف بل لابد ويجب أن يعرف هذا الأمر الثالث الذي هو أكثر أهمية وهو أننا الآن وُلِدنا بطبيعة تختلف تماماً عن الطبيعة التي خلقنا الله عليها ، فإننا الآن صرنا مثل مريض لا يقدر على الحركة ومطلوب من هذا الإنسان الوصول لقمة جبل : فكيف سيبدأ يعمل أي عمل ؟! أي إذا أراد أي إنسان أن يعيش الهدف والغرض الذي خلقنا الله من أجله .. فيحتاج  أولاً  إلى مرحلة استعداد وهى مرحلة أولى كما قال عنها يوحنا المعمدان "أعدُّوا طريق للرب" (مر1: 3) وبها  يعود  الإنسان مُعافى سليماً تماماً وحراً ونقياً ، و حينئذٍ يقدر ويستطيع أن يبدأ المرحلة الثانية وهي المرحلة الأساسية وهي الهدف الذي خلقنا الله من أجله وهو أن نُولَد من الروح .. وهذا يصير بعد أن وصل بالفعل إلى صورة الإنسان الأول أي صورة الإنسان المُعافى أي بعد أن يولَد أولاً من الماء أي يعود نقياً جداً كما كان آدم تماماً حتى يقدر ويستطيع في هذه الحالة فقط أن يبدأ يعمل العمل الذي خلقه الله من أجله ويقدر أن يسعى نحو الهدف وهو الذي كان على آدم أن يعمله ويعيش من أجله .  فبدون هذه المرحلة الأولى  لا يقدر أي إنسان أن يصل إلى نقطة الصفر التي عندها فقط يستطيع أن يبدأ ، فلكي يدخل شعب بني إسرائيل كنعان مع يشوع كان يستلزم الأمر مرحلة التهيئة والإعداد وهي أن يخرِج الرب الشعب من قبضة فرعون بقوة عجيبة وذراع شديدة وبصراعات وضربات كثيرة ، ثم يسيرون مع موسى 40 سنة في البرية وكان هذا رمزاً للمرحلة الأولى وهي التهيئة .. فإن كل هذا الشعب لم يدخل كنعان لأنه كان يرمز للخليقة العتيقة وهو المرض الذي كان في الإنسان لأنهم ماتوا في البرية وهذا كان يشير إلى أن طبيعة الإنسان العتيقة كانت لابد أن تموت أولاً ، ثم جاء أبناؤهم [ وهؤلاء هم الصورة الأولى للإنسان الأول المُعافى التي كانت في آدم ] لذلك فهؤلاء هم فقط الذين استطاعوا أن يبدءوا العمل الذي يريده الله من كل إنسان . فهذه هي صورة إنسان قد ولِدَ من الماء أي تحرر من عبوديته لهذا استطاع أن يصير بلا خطية كأنه مغسول تماماً ، وهذه هي صورة آدم . فإن كان موسى رمزاً للإنسان الذي استطاع أن يساعد كل مَن أراد أن يعبر المرحلة الأولى كما أرسل الرب يوحنا المعمدان أيضاً  ليعمّد بالماء  حتى يهيئ كل إنسان مولود بالجسد لكي يعود إلى صورة آدم الأول ، فإن يشوع كان رمزاً للمسيح  الذي هو وحده الذي يقدر أن يعمِّد بالروح  لأنه هو الذي رفشه في يده ، وهذه المرحلة يقودها الرب بنفسه لأنه لا يستطيع إنسان أن يملأ إنساناً آخر بروح الله . لهذا فإن معنى كلمة يشوع هي نفس المعنى لكلمة يسوع أي المخلِّص أو خلاص الله "يهوة شوع" Jehovah-saved   .

فيجب على كل إنسان أن يعرف أين هو من الرب الآن حتى يقدر أن يبدأ مجرد البداية . أي أن .. أي إنسان الآن مولود بالجسد هو مثل أمير كان يعيش مع أبيه الملك الذي كان يسكن في قصر عظيم ، وكان هذا الإنسان يشرع في بناء برج عظيم عالي بناءاً على طلب أبوه الملك . فحسده بعض الأشرار فخطفوه لأنه لم يكن مُهتماً بغَلق أبواب بيته والمكان الذي كان يبيت فيه ، فضربوه وأفقدوه الوعي وألقوا به في مكان بعيد جداً عن قصره وحتى عن مدينته وعن وطنه بل وعن قارّته . فعندما أفاق هذا الإنسان وجد نفسه في صحراء لا يعرف  أين هو  [ مثل أي إنسان الآن مولود بالجسد ] ، فإذا  أراد  هذا الأمير  بالحق  أن يعود إلى  بيته  وهو قصر أبيه في أوربا حتى يتمم الأمر والهدف الذي طلبه أبوه الملك منه .. فهناك مرحلة أولى هامة جداً لابد أن يعبرها والتي بدونها لا فائدة من أي عمله سيعمله لأن هذا الأمير  الآن  صار كالمسجون المقيَّد تحت الأرض ، لهذا فهو الآن لا يحتاج أن يعرف  الهدف  الذي أمامه وهو العمل المُكلّف به من أبيه ليعمله لأنه صار كالمقيد المسجون فلا يقدر أن يبني البرج الذي طلب أبوه منه أن يبنيه . ولكن هو يحتاج بالفعل أن يعرف أولاً الطريق للعودة إلى أبيه وكيف يسير ، فهذا هو الهدف الذي يجب أن يكون أمامه الآن أي انه وفيما هو تائه في الصحراء: كيف يعتقد انه يقدر أن يبدأ في بناء البرج الذي أمره أبوه الملك أن يبنيه ؟!!! إذن .. فهو  يحتاج في هذه الحالة قبل كل شيء  أن يعرف  أين هو  أي لابد من عبوره  مرحلة أولى  وسوف تكون هذه هي أهم مرحلة في حياته وهي الأساس وتكون هذه مرحلة أساسية ولا فرار منها وهي معرفة مكانه من المكان الذي كان فيه أولاً ثم معرفة كيف الطريق أي كيف يعود لأبيه .. أي انه منذ أن أفاق الأمير ووجد نفسه تائهاً في الصحراء ، كان يجب أن يكون كل شغله الشاغل في شيء واحد وحيد فقط ويكون هذا الشيء بمثابة الهدف الذي يجب أن يسعى لتحقيقه ولإتمامه ، ويجاهد حتى الدم وجهاد كامل لكي يحقق هذا الهدف . وهذا الهدف هو كيف يعود للمكان الذي كان فيه أولاً ، لأن هذا هو الحل الوحيد الذي بعد أن يحققه يقدر فقط ويستطيع بالفعل [وهذا إذا أراد بالحق] أن يحقق الهدف وهو العمل الذي أراد أبوه أن يتممه .

وبعد أن يعود لأبيه ويصل بالفعل إلى مكانه الأول حينئذٍ سيبدأ يستطيع أن يبدأ المرحلة الثانية وهي أن يحقق  الهدف  وهو العمل المُكلّف به من أبيه وهو بناء البرج . ولكن .. !! هل يمكن أن نقول للأمير الآن وهو تائه في الصحراء : ابدأ في العمل الذي كلَّفك به أبيك الملك وهو قد صار لا يملك أي شيء غير انه توهّم انه يمكن بناء البرج في الصحراء ، فهو لا يملك أي من مواد البناء غير أن أبوه الملك أمره أن يبني البرج بجانب القصر الذي في بلدة الملك ، غير أن هذا الإنسان لا يعرف  أين هو  ولا يعرف كيف يعود أي ما  هو الطريق  وكيف يصل إلى أبيه ؟! وما هي  الوسيلة  التي يستطيع بها أن يعود إلى أبيه ؟! فكيف نقول له وهو تائه في الصحراء ولا يعرف مكانه من أبيه : ابدأ في بناء البرج !! فالبرج لا يمكن أن يُبنىَ إلا في مدينة أبيه الملك . فإن الأمير الآن يحتاج في هذا الوقت وقبل كل شيء وأول كل شيء أن يعرف  أين هو  الآن .. أي ما هي المنطقة والمكان الذي هو فيه ، لأنه بناءاً على  مكانه  الحالي في الصحراء سيتحدد  طريقه  أي سيتحدد  عمله  في المرحلة الأولى التي لابد أن يجتازها ويعبرها . أولاً .. فإذا عرف أنه في صحراء مصر .. فحينئذٍ يعرف أن طريقه هو عبور البحر المتوسط حتى يعود إلى أوربا . وإن عرف أنه في أمريكا إذن فطريقه سيكون عبور المحيط الأطلنطي وبعد أن يعرف الأمير أين هو يبدأ يبحث أيضاً عن الطعام الذي يحتاجه في الصحراء ويحدد الوقت الذي سيسره حتى يعرف كَم سيستغرق من وقت حتى يعرف كل ما يحتاجه كما طلب الرب من نوح أن يأخذ طعاماً له ولكل حيوان معه في الفُلك .  إذن  .. فإن الأمير عندما  أفاق  ووجد نفسه وحده في صحراء .. يحتاج (1) أن يسأل بجديّة ليعرف أول كل شيء  أين هو  ، وهذا إذا أراد بالحق أن يعود لأنه أيضاً لو لم يريد الأمير أن يعود لأبيه إذن سوف لا يسأل عن الطريق ولن يسأل أين هو أيضاً . (2) سيسأل عن الوسائل والمواصلات التي تعود به إلى قصر أبيه .

فالقضية إذن متوقفة تماماً .. أولاً على : هل الأمير يريد بالحق أن يحقق الغرض والهدف والعمل الذي كلّفه به أبوه الملك ، أَم لا ؟! وبناءاً على هذه  الإرادة  سيتحدد الأمر كله . إذن فالقضية بجملتها متوقفة تماماً ومشروطة على أن يريد الأمير بالحق أن يعود لأبيه . فإذا  أراد  سيبدأ يسأل أول شيء  أين هو ؟!  لأن بناءاً على مكانه سيعرف  الطريق  الذي  سيعود  به إلى بيته . (2) يحتاج أن يعرف الوسيلة التي سيعود بها وأن  يعرف كل شيء عن الطريق  الذي يصل به . فإن الأمير إذا تهاون في سعيه لعبور المرحلة الأولى وهي عودته لبيت أبيه سوف يجلب على نفسه عَنَاء ومشَقّة كاملة ، ولكن إذا جاهد حتى الدم وجاهد من كل قدرته وعبر أول مرحلة وعاد إلى قصر أبيه .. فحينئذٍ .. يستطيع أن يبدأ  عمله  وهو  الهدف  الذي كلّفه أبوه القيام به .

هكذا نحن الآن مولودين في هذا العالم نحتاج أن نعرف أولاً الهدف الذي خلق الله الإنسان من أجله مثل الأمير الذي عرف أن الهدف الأسمى الذي هو مطلوب منه هو بناء البرج ، لكي يتمم هذا الهدف فهو عليه إذن أن يعبر مرحلة أولى هكذا نحن الآن يحب أن نعرف أن الله خلقنا لكي نصير على صورته ومثاله ، وهذا إذا صرنا أعضاء فيه .  ولكن  هذا العمل لا نقدر أن نتممه الآن لأننا مولودين عبيد وفي عبودية جسد وذات أي ما الفائدة من إرادتنا الآن في أن نكون صورة لله ونحن قد وُلِدنا بصورة و  بطبيعة  مختلفة تماماً عن الصورة وعن الطبيعة التي كان فيها آدم .  إذن  نحتاج أن نعرف ماذا كانت طبيعة آدم و ما هو  المرض  الذي دخل فينا حتى صارت طبيعتنا هكذا وتغيَّرت عما كان فيه آدم وما هو  العلاج  . وبهذا نكون قد عرفنا أين نحن الآن من الله وبهذا نستطيع أن نبدأ عبور أو مرحلة وهي مرحلة العودة للطبيعة الأولى و الصورة الأولى التي كان عليها آدم مثل الأمير الذي أول كل شيء كان لابد أن يعود لمكانته الأولى هكذا نحن أيضاً لابد أن نعرف أننا نحتاج أول كل شيء إلى الشفاء والتنقية التي تجعلنا نعود أولاً لعافينا ولصحتنا و للطبيعة التي كان عليها آدم أي أننا لابد أن نعبر مرحلة الولادة من الماء حتى نعود لصورة آدم ثم نستطيع حينئذٍ أن نبدأ بالعمل الذي كلّفنا الرب به أي نستطيع أن نبدأ نعيش  الهدف  والغرض الذي خلقنا الله من أجله وهو أن نمتلئ ونولَد من الروح ، وهذا هو العمل الذي كان على آدم أن يبدأ يتممه .. لأنه كيف لإنسان أفاق ووجد نفسه في صحراء يسأل ما هو العمل الذي كلّفني الملك أن أعمله ، فسيكون بذلك هو مثل إنسان أحمق أُعطِيَت له بذار ليزرعها في أرض فعرف أنه لابد من أن تُسقى الأرض بالماء كل يوم ، فبدأ يسقي الأرض بالماء ويرويها ويضع سماد قويّ فعّال وجعل الشمس تشرق عليها ، وهو بغباوة عقل وقلب لم يدفن البذار التي أعطاها له الملك قبل كل هذا  .. فما هذا الذي تعمله البشرية الآن ؟! فنحن مثل مريض طريح الفراش  وسمع  أنه لابد أن يصعد إلى قمة جبل عالي جداً ، ويحتاج هذا العمل إلى جهاد كامل لكي يكمِّل كل الطريق للقمة كما قال الرب "كونوا كاملين" (مت5: 48) ، وهذا الجهاد الكامل يحتاج إلى  قوة  كاملة . فكيف يعتقد ويظن أنه يستطيع حتى مجرد أن يبدأ يتحرك وهو مشلول وأعمى لا يقدر على الحركة تماماً ؟! فكيف يتوهّم هذا المسكين البائس وهو بهذه الحالة أن يصعد قمة الجبل وهو حتى لا يستطيع أن يقف على رجليه ؟! ألا يعرف أن الجهاد الكامل يلزمه  قوة كاملة ؟! وحتى لو استطاع أن يقف فهو  لا يرى .

وهكذا كل إنسان الآن في هذا العالم يجب أن يعرف قبل كل شيء وقبل حتى أن يعرف ما هو هدف وجوده في هذه الحياة يجب أن يعرف أنه قد صار في عبودية وسبي كامل يجعله لا يعرف ماذا يفعل ولا يفعل ما يريده (رو7)  أي قد تغيّرت طبيعته تماماً عن الصورة التي خلق الله الإنسان عليها لأنه مولود بالجسد ، فيجب أن يسأل أولاً : ما الذي حدث ؟! أي :

[1] - ماذا كانت صورة آدم ؟! و ماذا كانت طبيعته ؟!

[2] - و ماذا حدث له ؟ و ماذا فعل ؟! .. وما التغيير  والمرض  الذي دخل فيه ؟!

[3] - نعرف ما هو  العلاج  أولاً من هذا المرض ، حتى بعد كل ذلك نعود مُعافين كما كان آدم . ثم نعرف بعد ذلك كيف نبدأ كيف نبدأ أن نحقق الهدف الذي خلق الله آدم لكي يتممه . هكذا كالأمير الذي كلفه الملك أن يبني برجاً وق وجد نفسه في صحراء ، فعليه أولاً عبور مرحلة أولى وهي مرحلة التهيئة حتى يبدأ أن يحقق الهدف الذي أمره الملك بأن يتممه .

 إذن  .. كل إنسان مولود بالجسد يجب أن يعرف بل ويحتاج أن يعرف الحق الذي هو :

1- ما هو الهدف الذي خلق الله الإنسان [ أي آدم ] من أجله ؟! 

2- وماذا كانت صورة الإنسان الأول وطبيعته الأولى التي خلقه الله عليها ؟!

3- ماذا حدث لآدم وما التغيير الذي حدث له أي ما هي طبيعتنا الآن ؟! أي ما هو  المرض  الذي حدث لآدم وتوارثته كل البشرية وما هو  العلاج  الذي نحتاجه لكي نعود لصورة آدم الأول ؟!

 

أي  ما هو   الطريق  الذي يصل بنا .. أولاً لصورة آدم والذي لابد أن    نسيره    أولاً ؟!

 

فهذا الطريق هو  المرحلة الأولى  التي لا سبيل لتحقيق  الهدف  الذي خلقنا الله من أجله إلا إذا عَبَرناها أولاً .

ثم ما هو الطريق أي  المرحلة الثانية  الذي يصل بنا للهدف الذي خلق الله آدم لكي يتممه . لأن الهدف الذي خلق الله آدم لكي يحققه لا نستطيع أن نحققه نحن الآن .. لأننا نحتاج أولاً  لتهيئة  أي  علاج  أي  حرية  لأن كل البشرية الآن مثل الأمير الذي أفاق ووجد نفسه في صحراء لأن هناك لصوص  خطفوه وجرّحوه وتركوه بين حيّ وميت  ، لهذا فإننا الآن وُلِدنا بالجسد أي أننا  مرضى  و  عبيد  بل وأرض خربة وخالية بل وغَمر وعلى وجه الغَمر ظلمة فنحن نحتاج إلى علاج وان نتحرر أولاً .

والذي لابد أن يعرفه كل إنسان أن كل الكتاب المقدس يتكلم فقط عن هاتين المرحلتين . فالطريق شرحه الرب في أول إصحاح في الكتاب المقدس وهو ستة أيام الخليقة . والأمر المؤسف والمحزن أن كثيرون عاشوا وماتوا ولم يدركوا لماذا قام الرب بالتحديد في ثالث يوم مع انه لم يقضي ثلاثة أيام شمسية في القبر [أي لم يقضي 72 ساعة ] بل إنه ظل بضعة ساعات يوم الجمعة في القبر وربما ساعة واحدة يوم الأحد لأن كان هدفه هو أن يكون يوم الجمعة ويوم الأحد في القبر ، لكن لم يكن من المهم أن يمكث طوال اليوم .. أي مثل إنسان ذهب يوم الأحد لمكان لمدة دقائق لأنه كان هناك أمراً هاماً جداً لابد أن يقضيه  في هذا المكان  وكان لابد أن يتم  في هذا اليوم   ، لكن لم يكن الأمر يحتاج أن  يمكث  طوال اليوم في هذا المكان بل إن الأمر كان يحتاج أن يكون فقط في هذا اليوم في ذلك المكان . وهذا ليؤكد لنا أن الله كان يشير إلى ثلاث خطوات أساسية لابد أن نعيش كل خطوة ونتممها ، ولم يكن يقصد أن يمكث ثلاثة أيام شمسية بالفعل . فإن فترة وجوده في القبر كانت رمزاً لجهاد معيَّن لابد أن يفعله الإنسان ويتم بثلاثة خطوات ومراحل ، والتي بعدها تتم قيامة الإنسان . لكن لم يحدنا الله بوقت معين في كل خطوة ، لكنه أخبرنا أن الخطوة الثالثة لابد أن تتم بعد نهاية الخطوة الثانية ، والتي لا يمكن أن تبدأ إلا بعد أن تنتهي الخطوة الأولى تماماً ، وكل هذا للوصول إلى نقطة وحالة يريدنا الله أن نصل إليها وهي حالة القيامة من الأموات أي الموت الذي ولدنا فيه وهو موت العبودية التي تجعلنا نخطئ كل حين وتجعل الشر حاضر عندنا ، لكن الذي تحرر من هذه العبودية [بعبوره الثلاثة أيام أي الثلاثة خطوات التي هي المرحلة الأولى] سيتوقف عن الخطية لأنه سيبدأ يولَد من الله الروح والمولود من الله لا يخطئ لأن الله سيكون هو الرأس التي تحرّكه بعد أن تحرر من عبودية الذات والجسد أي بعد أن أنكر ذاته وصار الله هو مصدر حياته وذاته والرأس والعقل الذي يسوقه . وهذه كانت صورة آدم الأول وهذه المرحلة يسعى الله بكل الطرق أن نعبرها لكي نصير أحرار ونعود كما كان آدم يوم أن خُلِقَ ، وهذه الصورة هي التي يجب أن نصل إليها أولاً لكي نبدأ أن نعمل العمل الذي خلق الله آدم لكي يعمله وهو أن يولَد منه أي يصير عضواً فيه . والآن .. حتى لو أراد إنسان مولود بالجسد أن يصير صورة الله أي يولَد من الروح فإنه لا يقدر لأنه تحت سبي عبودية تجعله لا يقدر أن يفعل ما يريده ، ولكن إذا تحرر من عبوديته أولاً وعاد لصورة آدم الأول أي قام من أموات الخطية وهذا بعبوره أول مرحلة التي كان يرمز إليها الثلاثة أيام الخليقة التي نهايتها خلق الله الثمار والأزهار وهي رمز لقيامة الإنسان من موت العبودية و الخطية التي وُلِد فيها سيستطيع حينئذٍ أن يصير عضواً في الله .. وكانت كل قصص العهد القديم تشير لليوم الثالث والتي عن طريقها يسعى الله أن يعلّمنا أن الطريق للوصول إليه يتم عن طريق جهادنا في عبور الثلاثة أيام ، التي هي المرحلة الأولى من الطريق وهي مرحلة التهيئة التي في نهايتها يعود الإنسان لصورة آدم الأول أي لابد أن نصل أولاً لليوم الثالث الذي فيه نقوم من الأموات . فنجد أهل نينوى صاموا 3 أيام وكذلك استير ، وإبراهيم وجد الموضع لذبح اسحق بعد 3 أيام ، ونجد عبارة اليوم الثالث مكررة في كل قصة في العهد القديم وحتى في أحلام بعض الأشخاص كالساقي الذي حَلُم بثلاثة قضبان عنب والخباز الذي حَلُم بثلاثة سلال (تك40: 10و16) وكان انه بعد ثلاثة أيام تم الفرج للساقي ، ويوسف حبش شمعون ثلاثة أيام ، و هكذا .. ، ولا يخلو الكتاب من هذه العبارة حتى أعمال الرسل .. هذا ليؤكد لنا الرب أن الطريق للعودة إليه لابد من عبور  أول مرحلة  وهي التي دعاها الرب  الولادة من الماء  وهي تتم عن طريق ثلاثة خطوات أو ثلاثة مراحل التي كان الرب أشار إليها في الثلاثة أيام الأولى للخليقة . وكان العهد القديم رمز للمرحلة الأولى ، والعهد الجديد رمز للمرحلة الثانية . فلم يكن يستطيع الله أن يقول في المرحلة الأولى أي في العهد القديم "أحبوا أعدائكم" (مت5: 44) لأن الإنسان كان مريضاً وعبداً وتائهاً ومحبوساً في زنزانات عبودية فرعون : فكيف يمكنه أن يصل إلى قمة جبل في كنعان ؟! أي كيف لبذار لم تُدفَن .. أن نطلب منها أن تتحول لثمر ؟! فمحبة الأعداء ثمرة من أجود وأول ثمار الروح وهي المحبة الكاملة . فكان لا يمكن لله كليّ الحكمة المطلقة أن يطلب من الإنسان الذي صار مريضاً وعبداً ولم يعبر بعد المرحلة الأولى بعد [ لأنه كالمشلول وكالمسجون ] أن يصعد لقمة جبل عالي جداً ، أما في العهد الجديد .. وهو رمز لإنسان عبر المرحلة الأولى أي تعافى وتحرر وعاد إلى بيته كالأمير الذي عاد إلى قصر أبيه أي بعد أن  قام في اليوم الثالث مع الرب  أي قام من مرضه وتحرر من عبوديته ولم يصير تائهاً بعد لأنه عاد إلى صورة آدم الأول أي قام بعد أن اغتسل تماماً لأنه لن توجد بعد عبودية تسبيه وتجعله يخطئ كما قال الكتاب "أما الآن قد تحررنا من ناموس الجسد إذ قد مات الذي كنا مٌمسكين فيه حتى نستطيع أن نعبده بجدة الروح لا بعتق الحرف" (رو7) أي يخبرنا الكتاب أننا سنتحرر من عبودية آدم العتيقة إذا جاهدنا بشِبه جهاد الرب أي سلكنا كما سلك كما اشترط الكتاب وأخبرنا أيضاً "إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته ، فان كنا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه ، عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلِب معه لكي يبطُل جسد الخطية كي لا نعود نُستَعبَد أيضاً للخطية ، لأن الذي مات بالجسد قد تبرأ من الخطية" (رو6: 5-8) . لهذا تهيأ تماماً ليبدأ يستطيع أن  يُكمِل  الطريق [ وإن صَحَّ القول ] أن  يبدأ الطريق  الذي كان على آدم أن يبدأه ويتممه وهو الطريق للكمال ، هكذا لكي يستطيع الشعب الذي كان في قبضة فرعون أن يحارب في كنعان كان عليه أولاً أن يعبر مع موسى أول عبور وهو البحر الأحمر ، ويسير 40 سنة حتى يأتي يشوع وهو رمز للمرحلة الثانية ليعبر معهم  ثاني عبور  وهو نهر الأردن . وكان العبوران بمعجزة عجيبة خارقة . وكان أيضاً يوحنا المعمدان رمز أيضاً للمرحلة الأولى وهي مرحلة التهيئة والغسيل والتنقية من كل مرض صار في آدم وفي كل إنسان مولود بالجسد الآن . أما السيد المسيح فهو رمز للمرحلة الثانية أي للإنسان الذي عاد للصفر بعد أن وُلِدَ من الماء وصار إناؤه نقياً بعد أن فرغت أوانيه من الخمر المسكر العتيق [ وهو المرض الذي دخل في البشرية ] وهي العبودية التي يسعى الإنسان لكي يتحرر منها ، وملأ أجرانه بالماء النقي أي اغتسل تماماً ، حينئذٍ استطاع الرب أن يحوِّل  مائه  [ أي طبيعته التي وصلت إلى  الصفر  وهي صورة آدم الأولى ] إلى خمر جيد أي إلى صورة الله أي صار عضواً في الرب ، فصار الرب مصدر حياته كما أن الجسد مصدر حياة كل عضو .

و هكذا كل الكتاب لا يحكي إلا عن  الطريق  أي الطريقين . فنجد الرب أشبع الجموع بالسمكتين وهما شبع الرب وغناه وقُوُته الذي يسند أي إنسان يعبر المرحلتين ، وكذلك  الدينارين  اللذين دفعهما الرب لكل إنسان مُلقَى على الطريق بين حيّ وميت عندما كان الرب هو السامري الصالح العابر الطريق الذي جاء لإنقاذ الجريح الذي كان مُشرِفاً على الموت ، فهو أيضاً أمس واليوم ، فهو يقدّم لكل إنسان الآن غِنى الله وهما نعمتاه أي مسانده لكل إنسان حتى يقدر أن يعبر المرحلتين . و عندما بدأ الرب خدمته مكتوب "فرأى  سفينتين واقفتين  عند البحيرة" لأن التلاميذ لم يقدروا أن يصطادوا شيئاً ، "فدخل الرب  إحدى السفينتين  التي كانت لسمعان" (لو5: 2و3) وهو رمز للنفس التي كانت  واقفة  لا تعرف كيف تبدأ ولكنها أرادت أن تعبر المرحلتين أي كل الطريق ، فبدأ الرب يعمل عمله مع هذه النفس التي أرادت الوصول إليه في المرحلة الأولى أي بدأ يعبر أول عبور في أول مرحلة مع هذه النفس لهذا مكتوب "دخل إحدى السفينتين" أي دخل مع هذه النفس أول سفينة من  السفينتين  وهي مساندة الرب لهذه النفس لتعبر أول مرحلة ومعونته لها بكل قوة ، فهو الذي سيعبر بها ويقودها بنفسه . و هكذا عندما كان الرب يرسل تلاميذه كان يرسلهما اثنين .. اثنين  ، وخلّص راحاب بالجاسوسين وخلَّص الرب الجحش والأتان اللذين كانا  مربوطين  عند باب المدينة منتظرين أن يُخلِّصهما أحد ويحررهما ، فأرسل الرب لهما تلميذان و هكذا أيضاً خلَّص الرب لوط بأنه أرسل له الملاكان . هكذا لكي يدخل نوح الفُلك ويُنقَذ من الطوفان كان عليه أولاً أن  يبني الفُلك  لمدة مئة عام وهو رمز للمرحلة الأولى وهي جهاد الإنسان الجهاد الكامل في أن يسلك كما سلك الرب الذي جاء ليعلّمنا الطريق للعودة إلى صورة آدم أي كيف يتحرر من عبوديته . وبعد أن أكمل نوح الفُلك تماماً أي جاهد الجهاد الحسن والجهاد حتى الدم والجهاد القانوني الذي كان رمزا لحياة المسيح نفسه استطاع أن يدخل الفلك أي أن يستوطن في الله ويصير عضواً فيه .. وإن كان كثيرون اعتقدوا أن الفلك يرمز للمسيح فقط : إذن .. كيف لإنسان أن يبني المسيح نفسه ؟! لكن كان الفلك يرمز للحياة أي الجهاد الذي جاهده الرب وأعطانا إياه مثالاً وكان نوح يرمز لإنسان سلك وسار نفس الطريق والحياة التي عاشها المسيح [ وهو الله المتجسد ] الذي جاء ليعلّمنا كيف نعبر أول مرحلة وهي مرحلة التهيئة .. والعلاج .. والحرية .. والتنقية .. وهي مرحلة الولادة من الماء لأن المسيح أعطانا  مثالاً  لكي نتتبع نحن أيضاً    خطواته  ونوح يرمز لنفس تتبعت خطوات الرب وسلكت كما سلك الرب . فبناء نوح للفُلك معناه أن نوح جاهد نفس الجهاد الذي جاهده الرب تماماً أي مات بشِبه موت الرب لهذا استطاع أن يتحد بالمسيح المائت فصار جسداً واحداً معه وفيه لهذا قام مع المسيح أيضاً لأنه سار الطريق الذي جاء الله بنفسه وعلّمنا إياه . لهذا كان الفلك رمزاً لحياة المسيح نفسها التي كانت هي المرحلة الأولى التي جاء الله وعلّمنا إياها لنقوم من موت العبودية لهذا أوصى الله نوح أن يبني الفلك بطريقة معينة أي يكون له ثلاثة مساكن علوية : مساكن سفلية ومتوسطة وعلوية . فهو كان يشرح لهذه النفس الطريق الذي يصل بها للخلاص إذا أتممته ونفّذته ، لهذا بدأت هذه النفس أن تجاهد نفس الجهاد الذي علّمنا الرب إياه بنفسه ، وبهذا  ففيما هي تجاهد هذا الجهاد ففي نفس الوقت كان روح الله ينمو فيها شيئاً فشيئاً  حتى بعد انتهاء هذه المرحلة وهي المرحلة الأولى اكتمل روح الله في الإنسان كالجنين الذي اكتمل نموه لهذا استطاع أن يتحرر من الكيان الجسدي الذي كان مستوطناً فيه فحينئذٍ استطاع أن يستوطن في الله ويصير عضواً فيه كما فعل نوح ودخل الفلك الذي كان يرمز حينئذٍ في ذلك الوقت للمسيح  أي إلى روح الله الذي اكتمل نموه داخله بجهاده بشِبه موت الرب  . وكل هذا لأن هذا الإنسان سلك كما سلك المسيح تماماً أي سار الطريق الذي ساره الرب بنفسه لهذا صار صورة للمسيح نفسه بجهاد طويل دام مئة عام أي أنه  بنى هذه الصورة  أي سار الطريق الذي يعود به للصورة آدم و الطريق الذي علّمه لنا الرب والذي عاشه الرب بنفسه أي جاهد نوح كما جاهد الرب نفسه وسار نفس الطريق بكل خطواته التي سارها الرب وهذا الطريق هو الذي شبهه الرب بالبرج الذي يجب أن نبنيه . لذلك بعد أن  بَنَى  نوح الفُلك الذي هو رمز  لحياة المسيح نفسه فهو بذلك عَبَرَ أول عبور أي قام كما قام المسيح بعد أن اصطبغ بصورة آدم الأول لهذا مكتوب "إن كنا قد صرنا متحدين معه بشِبه موته سنصير أيضاً في قيامته ، وإن كنا قد متنا معه  فسنحيا أيضاً معه" (رو6: 5و8) .. لهذا استطاع نوح [ أي استطاعت هذه النفس ] حينئذٍ بعد جهاد طويل في الطريق الكرب أي الجهاد القانوني أي نفس الجهاد الذي جاء الله وعلّمنا إياه ، وبعد اكتمال روح الله بنسبة كافية فينا استطاع أن يصير عضواً في الله و هكذا استطاع نوح أن يدخل في الفلك من الباب الذي كان في جنبه كالمسيح الذي فُتِح جنبه لندخل إليه لنصير أعضاء فيه ونبدأ العمل الذي كان على آدم أن يعمله . فإن المسيح كان هو الباب الذي بواسطته فقط ندخل ونخلُص وخرج فنتحرر ونجد مرعى ، فهو الباب الذي يخلِّصنا لو عبرنا بواسطته أي بواسطة حياته أي الطريق الذي علّمنا إياه . فبواسطة جسده المائت الذي عندما نموت بشِبه موته نتحد به ونصير أموات معه وفيه وبهذا سنقوم معه ونبدأ في المرحلة الثانية وهي الولادة من الروح لهذا نزل من جنب الرب  ماء  و  دم  كما هو مكتوب "هذا الذي أتى بماء و دم لا بالماء فقط بل بالماء و الدم" (1يو5: 6) ، فالماء حتى نَتَنقَّى أولاً ونعتمد أول معمودية أي أول صبغة لنأخذ صورة آدم الأولى حتى نكون قد تحررنا من عبوديتنا حتى نستطيع أن ندخل الفلك كما دخل نوح أي نعود وندخل في الرب كما دخل نوح أي نعود وندخل في الرب لنبدأ نصير  أعضاء فيه  بعد أن عبرنا أول عبور لكي نبدأ نعبر المرحلة الثانية وهي  الولادة من الروح  لنصير أعضاء في الرب وهذا هو رمز الدم الذي خرج من جنب المسيح أي يسيل دمه في كل كياننا لأننا صرنا أعضاء في كرمته بعد أن عبرنا وعدنا للصفر أي الصورة التي كنا عليها .  وكلمة الرب تقول لنا "هذا الذي أتى بماء ودم ، ليس بالماء فقط" (1يو5: 6) أي ليس هدف الله رفع خطايانا واغتسالنا كما يقول بعض الناس ، بل هدف الله أن نصير أعضاء فيه لنصير صورة له ومثاله . فكان لا يمكن لأي إنسان أن يصير عضواً وجزءاً في الله وهو مازال عضواً في جسده وتحت عبوديته .

فإن لم ينتهي الإنسان من المرحلة الأولى التي بها يعود لصورة آدم لا يمكنه أن يبدأ يعمل العمل الذي خلقنا الله من أجله . كما أنه إن لم يبني نوح الفلك فلن يكون هناك شيء يدخله الإنسان هكذا مكتوب " لما فرِغَت الخمر قالت أم يسوع ليس لهم خمر" (يو2: 3) فلا يمكن أن يضع الله خمره الجيد وهو روحه أي أن نصير أعضاء وأغصان في كرمه وهو الخمر الجيد وكان الخمر العتيق مازال في الأجران الستة وهي طبيعة الإنسان الذي وُلِدَ مع الحيوان في اليوم السادس والذي كان مصدر حياته النبات أي قبل أن يبدأ يتصل بالله ويصير الله مصدر حياته . لهذا كان على كل نفس أن تجاهد مع يعقوب حتى الدم سبعة سنوات حتى تحظى براحيل [ التي تعني  شاه   ] وهي رمز لروح الله التي أرادت النفس أن تقترن بها ليصير الله إلهها والرأس التي تسوقها . وهذا لتعبر المرحلة الأولى ، ثم تبدأ جهاد سبع سنوات أخرى أي كمال الجهاد حتى تكون قد اقتنت الله تماماً .

 فماذا نعتقد .. هل يمكن أن يدخل الإنسان الفُلك وهو لم يكن قد بناه ؟!! 

فإن لم يبني نوح الفُلك .. كيف كان سيدخله !! فسوف لا يكون هناك  شئ  يدخل فيه أي يحتمي فيه .. إذن كيف كان سينجو إن لم يكن هناك  وسيلة  نجاة !! فلنسأل أنفسنا : هل يمكن ؟! أي هل يمكن أن نصير في المسيح ونحن هكذا عبيد ومرضى بل وأعداء لأن اهتمام العالم عداوة لله (1يو2: 15، يع4: 4) ، "واهتمام الجسد موت وعداوة لله" (رو8: 6و7) ؟!! فبناء الفلك يحتاج جهاد كامل وجهاد حتى الدم (عب12: 4) وجهاد قانوني (2تي2: 5) وهو نفس المنهج أي الخطوات التي سارها الرب والسير في طريق كرب ما أكربه !! يبدأ بباب ضيق ما أضيقه !! وهذا ما جاء الرب بنفسه ليعلّمنا إياه .. وهو الطريق الذي يعود بنا أولاً للصورة التي كان فيها آدم .  فإن لم نسلك كما سلك الرب   وبنينا فُلكَنا  أي عُدنا للصورة الأولى بعبورنا أول مرحلة أي تهيأنا وتحررنا   واصطبغنا بصورته  سوف نهلك لا محال  . كل هذا لأن الإنسان استوطن بالكامل في جسد وصار في عداوة لله ولا سبيل الآن لبداية اتصال حقيقي بالله إلا عن طريق روح الله نفسه . فنحن الآن صرنا مثل بذرة مجرَّدة ومطلوب من كل إنسان أن يأتي بثمار . فماذا يعتقد كيف يبدأ ؟! فإن كثيرون اعتقدوا انه بسَقي البذرة بالماء ستأتي في الحال بالثمار ، ولا يدرون انه هناك مرحلة أولى تحتاج لوقت طويل حتى بعدها تبدأ عملية الإنبات . فالبذرة المائتة التي صرنا نحن الآن مثلها لكي تتصل بمصدر حياتها وهو الماء فهي تحتاج لوسيلة اتصال تقدر أن تتصل بواسطتها بالماء لأن طبيعتها لا تقدر الاتصال بالماء وهذه الوسيلة هي  الجذر  . والجذر لا يخرج ولا يُولَد إلا إذا دُفِنَت البذرة في الأرض هكذا نحن إن لم نبدأ نميت الجسد لن يبدأ روح الله أن يوجد فينا ليكون أولاً وسيلة الاتصال بيننا وبين الله كالجذر الذي عن طريقه فقط تبدأ حياة في النبات ليعبر أول مرحلة ليقوم ويخرج من الأرض ، هكذا فبروح الله الذي يبدأ فينا عندما نصلب الجسد يبدأ اتصال حقيقي بيننا وبين روح الله فتبدأ حياة حقيقية ، وهذا عندما نبدأ في الطريق والجهاد الذي علّمنا الرب إياه حينئذٍ سنبدأ نتحرر يوماً بعد يوم من العبودية وفي نفس الوقت نمتلئ من روح الله . فإننا لابد لنا من عبور أول مرحلة للوصول إلى الإثمار ، ولا يتوهّم الإنسان وهو كالبذرة الميتة أنه يستطيع أن يبدأ في الاتصال بالله الروح إلا إذا بدأ في الطريق الكرب أي في صلب الجسد الذي بواسطته تبدأ الروح توجَد فيه وهذا إذا عبر أول مرحلة وهي التحرر من العبودية ، وهذا يكون بالموت أولاً عن العالم أي موت إنساننا العتيق وهو عبوديتنا .. لكي نتحرر ونعود لصورة آدم الأول كما ماتت البذرة فبدأ يخرج الجذر منها ، وهذا الجذر هو الوسيلة الوحيدة لاتصال هذه البذرة المائتة بمصدر حياتها لتبدأ حياة أولية لهذه البذرة . وكل هذا وهي مازالت تحت الأرض وستظل فترة أيضاً حتى تقوم إلى خارج الأرض . وهذه هي المرحلة الأولى التي لابد أن يعبرها أي إنسان ، وهذا ما أشار إليه الرب في آخر كلامه في يوحنا 12 عندما قال "الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتموت لا يمكن أن تأتي بثمر"(يو12: 24).

فقد أخبرني الرب أن الطريق للعودة له هو  مرحلتان  ففي المرحلة الأولى .. عدم إطاعة الجسد في أي شيء يهواه ويشتهيه وهذا هو الصيام الحقيقي والتغصُّب والجهاد في الصلاة أيضاً وهذا هو طريق العودة للصورة الأولى التي خلق الله الإنسان عليها وهي الولادة من الماء . وهذا الطريق جاء الله وعاشه أي جاهد الجهاد الكامل في الصوم والصلاة ، و الكتاب كله ينادي بهذا الطريق أي بهذا الجهاد ، فحياة المسيح هي الطريق و الكتاب المقدس يؤكد لنا الطريق أيضاً وينادي به عندما قال "الذين هم للمسيح صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات ، فأنتم عبيد للذي تطيعونه" (غل5: 24، رو6: 16) فإن كان الإنسان بإطاعته لجسده صار عبداً له في الحال عندما أكل من الثمرة ، فالطريق للعودة والتحرر من هذه العبودية يكون بالتوقف عن عبادة وطاعة الجسد ، وهذا هو خلاصة الطريق أي المرحلة الأولى . و هكذا نادى الملاك وصرخ في السماء في سفر الرؤيا وقال : ثمنية قمح  بدينار  ، وثلاث ثماني شعير  بدينار  (رؤ6: 6). وهذا لعل البشرية تستيقظ لتفهم ماذا عليها أن تعمل حتى تقرأ الكتاب المقدس وتبحث عن الشعير والحنطة في كل الكتاب لتبدأ تعبر المرحلتين بغِنى الرب وهما الدينارين وشبعه وهو السمكتين وبالمعمودية الأولى وهي معمودية الماء من يوحنا المعمدان ، ثم بالمعمودية الثانية من الروح . فإن الرب فتح جنبه لنعود إليه لهذا نزل من جنبه ماءاً لنغتسل أولاً من المرض الذي دخل للبشرية و حينئذٍ نستطيع أن نبدأ أن نمتلئ بالروح فنصير أعضاء وأجزاء من الله ليسري دمه فينا . أي أن الله سيُغنِي ويشبع أي إنسان بغِناه وبشبعه في المرحلتين اللتين سيصل بهما الإنسان للرب . فالشعير هو رمز للمرحلة الأولى وهي مرحلة موت الجسد الذي لابد أن تموت طبيعته العتيقة ، والقمح رمز في كل الكتاب لحبة الحنطة وهي المرحلة الثانية التي فيها يصير الإنسان عضواً في الله ويبدأ ينمو أكثر فأكثر ليمتلئ إلى كل ملء الله ليصير صورة له ومثاله تماماً أي يصير مثل المسيح الذي هو صورة الله في الجسد الترابي هذا ، لهذا طلب الرب منا أن نمتلئ إلى قياس قامة ملء المسيح الذي هو نفسه صورة الله الذي خلقنا لكي نكون فيها .. وهكذا الدرهمين والفلسين .. والفصح في العهد القديم وهو الخروف الذي لابد أن يأكله الجميع .. كان رمز للشبع في أول مرحلة ، ثم عندما يبدأ في المرحلة الثانية يصير جسد الرب هو شبعه لأن الله صار هو مصدر حياته الوحيد لأنه بدأ يسلك بالروح ، فكان طقس التناول إشارة للشبع من الرب والذي كان يشتاق الرب أن يكون هو خبزنا ومصدر حياتنا الوحيد ، وهذا يصير عندما يصير لا عضواً فيه ليصير صورة لله ومثاله ، وهذا هو الهدف من خلق الله للإنسان .. فإن جسد الرب هو شِبَع كل مَن يبدأ يسير في المرحلة الثانية .

ومكتوب أيضاً عندما ذهب الرب ليدعو بطرس لكي يسير معه ، أن الرب رأى  سفينتين واقفتين  ، فدخل  إحدى  السفينتين وهذا يشير إلى الفرصة والقدرة التي أعطاها الله لكل نفس لكي تستطيع أن تعبر المرحلتين اللتين يصل بهما إلى صورة الله وهو الهدف الذي خلقنا الله من أجله . فإن السفينتين هما رمز لقوة الله التي أُعطيَت لكل إنسان حتى يستطيع عبور المرحلتين ، وكان بطرس من النفوس التي أدرك الرب أنها تريد وسوف تعبر ، لكن بدون الرب لن يقدر أحد  أن يبدأ  لهذا كانت السفينتين واقفتين ، فدخل الرب إحدى السفينتين وهذا معناه أن الرب بدأ يعمل مع هذه النفس ليعبر أول مرحلة . فلم يكتب الرب كلمة في الكتاب ليست للبنيان بل إن كل كلمة تخرج من روح الله لابد أن تكون حياة مُعاشة وتكون خطوة من خطوات الطريق .

وهكذا أيضاً أم ميخا (قض17) التي طلبت أن يكون عندها تمثالان أحدهما منحوتاً والآخر مسبوكاً . فالمنحوت كان يرمز للإنسان الذي ولِدَ من الماء وهذا بعد جهاد حتى الدم الذي رمز له الرب بقطعة الحجر التي تم نحتها فصار لها شكل مميز ، هكذا نحن قبل أن نسير في الطريق كان لا شكل لنا لكننا بدأنا نصير صورة له ، لكننا لم نصير فيه بعد . أما التمثال المسبوك فهو رمز للنفس التي صارت  مثال الله  كالمعدن الذي يدخل النار ويُصَب في قالب ليكون مثال تماماً لهذا القالب . فالتمثال المسبوك هو الولادة من الروح أي الذي صار عضواً في الله وهذا صار ليس بجهاده في الحقيقة بل بالنعمة كالتمثال المسبوك بالمعدن المنصهر الذي تشكَّل بنفس الشكل الذي في القالب الذي وُضِعَ فيه بعد أن كانت لعنة العبودية علينا (قض17: 2) وكانا التمثالان بمئتين شاقل فضة ؟!!!

هكذا عندما رتّب الرب طقس التناول أخذ خبزاً وكسر وأعطى تلاميذه ثم أعطاهم الدم ليشربوا . ولا يمكن لإنسان في التناول أن يأكل الجسد والدم في وقت واحد (مت26) . فإن الرب كان يريدنا أن نفهم ونتفهّم ونتبصّر ونستيقظ على الحقيقة وهي الطريق الذي يجب أن نسيره وهو أن نتنقّى أولاً ونعبر أول مرحلة وهي تنقية نفوسنا بموت عبودية الجسد تماماً ، وهذا كان يرمز له تناول جسد الرب أولاً الذي كان يشير للمرحلة الأولى وهي مرحلة موت عبودية الجسد ليتنقى جسد الإنسان ويتحرر ، فيجب أن نتناوله ونأكله ونتحد به عندما نكون مصلوبين ومائتين بشِبه موته .. فعندما نصير متحدين معه بشِبه موته .. نصير جسداً واحداً فنصير كأننا مائتين بالفعل لأننا اتحدنا بجسد الرب المائت .. فسيكون تناولنا هذا واتحادنا بجسد الرب المائت بمثابة الموت الذي يُوفي العدل الإلهي ولكن بشرط أن نكون مائتين بشِبه موته أي نكون قامعين الجسد وصالبينه أي بدأنا نسير الطريق الذي جاء الرب وعلّمنا إياه بنفسه . و يوماً بعد يوم عندما نصل للصفر نتحرر تماماً من عبودية الجسد والذات ونعود لصورة آدم الأول  أي نكون قد عبرنا مرحلة الولادة من الماء فنستطيع حينئذٍ أن نصير أعضاء في الله ونبدأ نُولَد من الروح . فتناولنا لدم المسيح بعد ذلك يُذكِّرنا بأننا صرنا أعضاء فيه وصار الله مصدر حياتنا الوحيد كالعضو في أي جسد وكالكرمة بالنسبة للغصن ، لهذا قال الرب لكل النفوس التي اتحدت به وعادت لصورة آدم وصارت أعضاء فيه  كلوا أيها الأصحاب .. واشربوا .. واسكروا أيها الأحباء  (نش5: 1).فلو لم يكن تناولنا هو إشارة لمسيرة الإنسان وعبوره المرحلتين لكان الرب وضع الخبر في الخمر وقال لتلاميذه : كلوا هذا هو جسدي . لأن الأمر الطبيعي أن جسد أي إنسان لا ينفصل عن دمه أي يكون الجسد دائماً متحداً بالدم ، لكن كَون أن الله يعطي جسده لتلاميذه أولاً ونأكله نحن أيضاً ويكون منفصلاً عن الدم فهذا دليل واضح على أن الله يريد أن يشرح لنا أمراً روحياً ويشير إلى قضية هامة وهي أن تناولنا من الجسد هو العلاج والوسيلة والباب الذي يعبر بنا لله وخصوصاً أن في طقس التناول الذي رتّبه الله بروحه انه لا يجوز بداية تناول الدم إلا لو بعد نهاية تناول الجسد تماماً ، وبعد أن يتأكد الكاهن انه لم تتبقى أي ذرّة من الجسد ، وبدون هذا العمل لا يقدر أن يبدأ في تناول الدم . وهذا ليؤكد لنا أن تناول الدم هو إشارة لبداية مرحلة جديدة بعد نهاية المرحلة الأولى تماماً وبعد ذلك نبدأ في المرحلة الجديدة التي هي أن نصير أعضاء في الله وهذا لا يكون إلا بعد نهاية المرحلة الأولى تماماً وهي بعد تحررنا تماماً من أي عبودية كنا تحتها . فإن الله يريد أن يقول لنا أن موته كإنسان هو الوسيلة الوحيدة لعبورنا أول مرحلة أي عدتنا لصورة آدم الأول أي تحررنا من العبودية التي وُلِدنا فيها حتى نقدر أن نتمم العمل الذي خلق الله الإنسان من أجله وهو أن نصير أعضاء فيه وأجزاء منه لكي نتمتع به كل التمتع الكامل .

فكان يجب على كل إنسان الآن مولود بالجسد أن يدرك الحق ويعرف أصل القضية ، وكلام الله هو السراج الذي بدونه لا يمكن أن يرى أي إنسان ولا يعلم أيضاً إلى أين يذهب كما أخبرنا الرب . وبكلام الله سندرك الطريق وسنراه لهذا سنقدر أن نسير فيه وبهذا سنصل لله . و عندما يبدأ الإنسان يسير في الطريق سيبدأ يولَد من فوق وستبدأ تتغير طبيعته لأنه سيبدأ يتحرر من العبودية التي وُلِدَ فيها عندما بدأ يتوقف عن طاعة الجسد و هكذا قال الكتاب "مولودين ثانيةً لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحية" (1بط1: 23) ومكتوب أيضاً "شاء فولدنا بكلمة الحق ، واقبلوا الكلمة المغروسة  القادرة أن تخلّص نفوسكم " (يع1: 18و21) أي مَن يقبل ويتّضِع ويرضى أن يسلك كما سلك الرب ويُصلَب مع الرب ويموت ويسير الثلاثة أيام كما أرانا الرب بنفسه سيصل ويعود إلى صورة آدم الأول لأنه سيقوم من الأموات أي من موت الخطية الذي كان بسبب العبودية التي وُلِد فيها . فعندما كان المسيح صبياً ترك أمه وأبيه وبدون أن يخبرهما بقى في الهيكل .

 أولاً  يقول الكتاب  وبعد ثلاثة أيام وجداه (لو2: 46) وهذا ليؤكد لنا انه لا يقدر أحد أن يجد الرب أي أن يشعر به أي يكون في صلح حقيقي معه إلا بعد عبوره الثلاثة أيام (تك1) وهي المرحلة الأولى التي يعود بها لصورة آدم الأول لأنه سيكون قد تحرر من عبوديته وبهذا يصير الله إلهه بالحق  وإلهه الوحيد  لأنه كَون أن أي إنسان مازال لم يصل للصفر أي لم يتحرر تماماً من عبوديته والدليل انه مازال يخطئ .. لأنه مكتوب "لأنه مَن حفظ كل الناموس ولكنه عَثُرَ في واحدة فقط صار مجرماً في الكل" (يع2: 10) ، وهذا يعني أنه طالما الإنسان مازال يخطئ .. إذن .. فهو مازال تحت ناموس و عبودية الجسد والذات وبهذا لا يستطيع أن يكون الله هو إلهه لأنه لا يمكن أن يصير عضواً في الله .. لأنه كيف يمكن أن يصير عضو وجزء في الله يخطئ  .. ولكن هذا الإنسان سيكون كالعضو الذي لن يتحرر من الكيان الذي هو مستوطن فيه والذي هو مُساَق منه ، وإن كان الله قد بدأ يعمل فيه كالجذر الذي تحت الأرض وكالجنين الذي بدأ يتكوّن ، لكنه طالما لم تتم قيامة وولادة بعد فالجنين لا نقدر أن ندعوه إنساناً له وجود حقيقي في هذه الحياة . فالذي يريد الحق لابد أن يعرف الحق ، وهذا الحق هو أنه  لا يستطيع أحد أن يضع أساساً آخر غير الذي وُضِعَ  وهو  يسوع المسيح  أي أن حياة المسيح هي الطريق نفسه أي هي الطريقة التي بها فقط نستطيع أن نصل إليه و الطريق أوضحه الرب نفسه في كتابه انه مرحلتان و لابد أن نغتسل أولاً ونعود لصورة آدم أي نُولَد من الماء وبعد ذلك فقط حينئذٍ نستطيع أن نُولَد من الروح . لهذا مكتوب أيضاً أن الرب "يُحيينا بعد يومين وفي اليوم الثالث يقيمنا معه فنحيا" (هو6: 2) وهذا ليؤكد لنا أننا في اليوم الثاني أي الخطوة الثانية من المرحلة الأولى وهي مرحلة التهيئة يبدأ الإنسان يجاهد فيها بصلب جسده بعد أن أراد في اليوم الأول أن يسير مع الله سيبدأ روح الله يوجد فيه فحينئذٍ ستبدأ تكون له حياة ، وهذا معنى كلام الإنجيل انه "يحيينا بعد يومين" أما بعد نهاية اليوم الثالث (تك1: 9-13) الذي فيه تم انفصال الماء تماماً من الغمر فظهرت اليابسة ومات الإنسان العتيق ومات الذي كنا مُمسَكين فيه أي تحرر الإنسان تماماً من عبوديته سيقوم في اليوم الثالث . وأيضاً قال الرب لموسى : قُلْ لملك مصر سنذهب  سفر ثلاثة أيام  (خر3: 18). وكل هذا ليؤكد لنا الرب أن الطريق الذي ساره هو ليس من أجل نفسه بل هو أعطانا مثالاً لكي نتتبع خطواته . فإن ستة أيام الخليقة كانت ترمز للطريق كله للكمال ولصورة الله : فالثلاثة أيام الأولى هي المرحلة الأولى التي يعبر فيها الإنسان من تحت الصفر للصفر أي يتحرر فيها من الموت الذي وُلِدَ فيه بسبب العبودية التي كانت تجعله يخطئ ، ولأنه كان مازال يحيا بالجسد ولكن في نهاية اليوم الثالث سيقوم الإنسان من الموت ويتحرر من عبوديته ويُولَد من الماء ويعود لصورة آدم ، ثم بعد ذلك يستمر في جهاده ليصل لكمال الامتلاء من الله .

 ثانياً  أرانا الرب وهو صبيٌ انه يجب أن يكون كل الفكر مُستَأسَر لطاعة الله وهو الإله الذي خلقنا من أجله وهذا حتى لا ننظر للوراء كالشاب الذي أراد أن يودِّع أهل بيته و كما علّمنا الرب وكما علّم العذراء أمه وقال لها "لماذا تطلبانني!! أَ لم تعلما أنني ينبغي أن أكون أنا وأنتِ وكل إنسان فيما للآب" . فلم يكن يحتاج المسيح يَخلُص هو بل جاء بنفسه وقَبِلَ أن يأتي كإنسان ويصير إنساناً بشرياً وغير ممتلئ من الروح أيضاً وهذا عجيب جداً . لهذا كان مكتوب "كان الصبي ينمو ويتقوّى بالروح" (لو2: 40) أي أنه كان مثل الإناء الفارغ وكلما اتصل بالله كان يمتلئ فيتقوَّى !! فكيف يقبَل الله أن يجعل من نفسه إنسان بل وغلام ويحتاج أن يمتلئ ؟!!! وكيف يقبَل الإله الخالق الذي هو الروح نفسه أن  يُخلي ذاته إلى هذا الحد  !!! ويجعل من نفسه [أي يتحوّل إلى] كيان غير ممتلئ؟!! كل هذا حتى نتأكد تمام التأكد ونصير في يقين كامل أننا لابد أن نتتبع خطواته وحتى ندرك الطريق ونعرف كيف نصل إليه حتى لا يصير لأي إنسان عذر .

فهل بعد كل ذلك .. وبعد أن يتجسّد الإله الخالق ويجعل من نفسه إنساناً ويعيش الطريق ويعيش مُماتاً في الجسد 33 عاماً لكي يعطينا مثالاً لكي نتبع خطواته .. فهل بعد ذلك لا نسير نحن ولا نسلك كما سلك هو ؟!! فلنحكم على أنفسنا !! و بماذا نعتقد أننا سنجاوب الله هناك في اليوم الأخير عندما يقول لنا : لمَن كنت أصلي أنا ؟! ولمَن كنت أصوم؟! ولمَن تجسَّدتُ ؟! و لماذا ؟! فهل كنت أحتاج أن أعيش مُماتاً في الجسد ؟! .. فبماذا سنجاوبه !!!!

ولا ننسى شيئاً هاماً جداً انه في كل الكتاب المقدس وهو كلمة الله التي هي السراج .. أخبرنا الرب انه جاء ومات عن العالم كله لكن الذي يقرأ كلمة الله بتدقيق سيكون له السراج والنور فسيسير إذن . والنور يقول ويخبرنا انه هناك شرط لموت المسيح عن خطايانا وهذا الشرط هو أن نموت معه ونموت بشِبه موته لأن الهدف من رفع الخطية ليس هو رفع الخطية فحَسب ولكن موت الرب هو باب فتحه كما فتح جنبه ليشرح لنا انه فتح لنا باب الرجاء أي أن الهدف ليس هو رفع الخطية لأنه هناك عبودية هي التي تجعل الإنسان يخطئ كل حين : فما الفائدة من رفع الخطية ومازال أصل المرض موجود وهو الناموس الذي يتحكّم فينا و العبودية ؟!! لهذا أرانا الرب أن الطريق للتحرر من هذه العبودية هو الهدف الأساسي في المرحلة الأولى لأنه فيها يميت الإنسان أصل المرض الذي كان يجعل الإنسان يخطئ أي أن صلب الجسد وإقماعه و أن المسيح عاش مماتاً في الجسد .. كل هذا ليس حتى تقوم الروح فحَسب بل حتى يبطل جسد الخطية كما أخبرنا سراج الله أي يبطل مفعول تحكم وسبي وتسلُّط العبودية على الإنسان كما أخبرنا السراج .. أي الذي صار هدفه التحرر من العبودية للعودة لصورة آدم الأول لكي يبدأ في العمل الذي خلقنا الله من أجله .. وهو أن نُولَد من الروح لكي نصير أعضاء فيه لكي نتمتع به كل التمتع .. لابد عبور المرحلة الأولى وهي الولادة من الماء حتى يبدأ روح الله يوجَد فيه . و عندما يسمح الله له بأي صليب يقبله ويصلب مشيئته ، وبهذا يموت سلطان الذات أيضاً . فعندما يتناول جسد الرب المصلوب سيموت الرب عنه في خطاياه التي يعملها .

فهذا الإنسان الذي صار الرب هدفه وسلك في الطريق الذي جاء الرب بنفسه وعلّمه إياه وبدأ يضع الأساس الذي لا يوجد أساس غيره وبدأ يسلك كما سلك الرب .. فهذا الإنسان هو فقط الذي سيستفيد من موت الرب لأنه تمم الشرط الذي أخبرنا السراج عنه وهو "إن كنا قد مُتنا معه وصرنا متحدين معه  بشِبه موته  سنصير أيضاً في قيامته" (رو6: 5و8) . فلم يَقُل الكتاب أن المسيح صُلِبَ وغسلنا من خطايانا فصرنا نحيا ، بل قال  مع المسيح صُلِبتُ  فأحيا (غل2: 20) .ولم يقل الكتاب : مات المسيح ودُفِنَ عنا . بل قال  مدفونين معه  (كو2: 12) . ولم يقل الكتاب أن المسيح مات عنا فحينئذٍ سنقوم معه ، بل قال "  إن كنا قد متنا معه  فقط في هذه الحالة سنحيا أيضاً معه" (رو6: 8) .. لماذا ؟! يُكمِل الكتاب وهو سراج الرب لنا ويقول :

عالمين هذا [ أي عالمين لماذا نعيش كما عاش المسيح ونحن نُميت أجسادنا ] هذا حتى يُصلِب معه إنساننا العتيق لكي يُبطَل جسد الخطية ..  كي لا نعود نُستَعبَد أيضاً منه  .(رو6:6)

فإذن .. الهدف ليس رفع الخطية بل التحرر من العبودية ولكي لا نعود نُستَعبَد أيضاً لأن العبودية هي التي تجعلنا نخطئ كل حين .. فما الفائدة من رفع الرب لخطايانا ؟!! فإن خطة الله هي رجوع الإنسان لصورة آدم الأول حتى يقدر ويستطيع أن يبدأ يتمم العمل الذي خلقنا الله من أجله . فإن كثيرون عاشوا وماتوا ولم يدركوا كل هذا ، فإن خطة الرب كانوا بعيدين عنها كل البعد ويقولون : عن الرب صام عنا وتألم عنا!!! فلم يستفيدوا من تجسد الرب ولا فداؤه أيضاً والدليل انهم لم يصيروا قديسين ولا كاملين كما دعانا الرب ، ولم يقدروا أن يعيشوا وصايا الرب . فلنمتحن أنفسنا : هل .. الذين يعتقدوا انهم مغسولين بالدم وتجددوا .. يقدروا أن يصلوا كل حين ؟! ومستعدين أن يبيعوا كل ما لهم وهو شرط الرب لمَن يريد أن يصير تلميذاً له حيث قال "مَن لا يترك جميع أمواله لا يستطيع أن يكون لي تلميذاً" (لو14: 33) . وهل سأل الإنسان نفسه : لماذا لم يقدر أن ينفّذ وصايا الله ؟! و لماذا لم يقدر أن يبيع كل ما له و أن يصير كاملاً ؟! و لماذا لا يقدر أن يُحسِن إلى مُبغِضيه ويحب قريبه كنفسه ؟! و لماذا ليس هو نور العالم كله ؟! فلنستيقظ على الحق قبل فوات الأوان .

ولا ننسى أن كل الطقوس وأسرار الكنيسة التي سمح بها الرب هي تكميل لإنجيل المسيح وهي وسائل لتساعدنا لكي نسير في الطريق وليست هي الطريق نفسه أو هي الإنجيل نفسه الذي يجب أن نعيشه . فيجب أن نستيقظ على هذه الحقيقة أن الإنجيل هو فقط الذي يجب أن نعيشه ، فمكتوب "فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح" (في1: 27) ، ومكتوب أيضاً "من أجلك  نُمات كل النهار " (رو8: 36) ويجب أن نُقمِع الجسد ونستعبده (1كو9: 27) . أي طوال الطريق إذا كان معنا سراج فسيكون الطريق واضحاً أمامنا فسنسير إذن باستمرار في النور ، وطالما هناك اتصال بالله لأننا باستمرار في توقف عن طاعة الجسد فسيكون هناك  استمرار نمو  كما هو مكتوب عن الله عندما كان متجسداً "كان الصبي ينمو ويتقوّى بالروح وكان يتقدّم في الحكمة والقامة" (لو2: 40و52) . أي أن الطريق الذي يصل بنا لله هو أن نعيش الإنجيل الذي يتكلّم أيضاً عن حياة المسيح العملية الذي هو أيضاً الطريق ، لكن الذي يركِّز في الطقوس على أنها هي الطريق ربما لا يصل أبداً لأنه ليس هو الطريق نفسه . فمثلاً عندما أخبرنا الرب عن كيفية إتمام صلة بيننا وبينه قال "الحق الحق أقول لكم إن لم  تقع  حبة الحنطة في الأرض  وتَمُوت  فهي تبقى وحدها" (يو12)  أي لابد للإنسان أن يقبَل ويتضع ويسلِّم ويسير مثل الراعي الصالح . وكلمة  تقع  حبة الحنطة هي إشارة لكسر الإنسان لذاته ومشيئته وخضوعه للرب أي رفضه الاستمرار في إطاعة جسده الجائع ومقاومته وتغصُّبه على صلبه وإماتته بعدم طاعته لكي لا يستمر في عبادته . و أيضاً قال الرب :  متى صليت  ادخل إلى مخدعك واغلق بابك وصل إلى أبيك الذي في الخفاء" (مت6: 6) . مع أن عند التواجد في الكنيسة .. مجرد التواجد .. سواء الوجود في القداس أو التسبحة والاشتراك مع جماعة المؤمنين هو في الحقيقة ليس صلة في الخفاء لأن الإنسان لم يغلق باباً على نفسه كحبة الحنطة التي ماتت ودُفِنَت . فالذي سيعتمد على الوجود في الكنيسة وحتى ممارسة كل الطقوس وحدها ويعتقد انه يسير في الطريق فهو سيكون قد انخدع لأنه ليس هذا هو الطريق الذي أرانا الله بنفسه . فالطريق هو حياة الرب نفسها ، الذي كان يعتزل في البراري ويصلّي ولم يجتمع مع تلاميذه في كل مرة ليصلي .. ليعلّمنا أن الصلة بين النفس وبين الله         للهواء حتى يتم اتصال حقيقي لأنه  هذا هو السر الحقيقي والطقس الحقيقي.

وهناك شيئاً هاماً جداً وهو أن الرب .. وهو الله المتجسد الذي أخلى ذاته وكل كيانه وقَبِلَ أن يحصر نفسه ويظهر في صورة إنسان .. كان هو نفسه الطريق أي أن  حياته  كانت نفسها الطريق ، فمكتوب : كان الصبي ينمو ويتقوّى بالروح . أي أن الطريق لابد أن يكون فيه نمو أي أن 

الذي لا ينمو روحياً ولا يزداد في القامة كل يوم فهو لا يسير في الطريق

لأن  الطريق  هو  حياة الرب فقط   ، فالرب كان هو    المثال  النموذجي لنا أي أن حياة الرب التي عاشها هي  الوسيلة  الوحيدة التي أرانا إياها التي بها فقط نستطيع أن نصل لله لأنه قال : أنا هو  الباب  إن دخل بي أحد يدخل ويخلُص ويخرج ويجد مرعى .

ولكن الذي يركِّز على الطقس على انه هو المثال و الطريق فهو لن يصل أبداً لأنه في نظام من أنظمة الطقوس كالصوم .. مثلاً .. فبعد صيام لمدة شهرين كاملين وفي زهد وتقشُّف وصوم وصراخ مستمر ، و عندما يأتي يوم العيد نجد أن الترتيب [أي الطقس] يقول انه بعد انتهاء هذه الفترة لا يوجد صيام بعد . فسيأتي الإنسان [وخصوصاً الذي كان متغصِّباً على الصوم لأنه غير مدرك لأهميته لأن الله ليس هو هدفه لهذا لا يسير في الطريق] يأتي هذا الإنسان ويُعوِّض النقص و  الحرمان  الذي حرم منه جسده طوال الأيام السابقة وبكل قوة يمتِّع جسده ويلذِّذه بأعلى ما يكون كما فعل بنو إسرائيل في البرية وصاروا في نهم كامل (عدد11) . وحتى الذي يريد أن يسير في الطريق ويذهب للرب إذا ركَّز على الطقس وحده سيجد انه لن يصل لأنه : كيف ..؟! وأين هذا النمو عندما يعود الإنسان بعد كل هذا الصوم ويعطي جسده ما يشتهي؟!!! و إن كان هذا الإنسان يقول : أنا أسير في الطريق . فالطريق هو الإنجيل الذي يقول من أجلك نُمات كل النهار ، ولم يقل الكتاب : أميت جسدك فترة ثم عُد مرة أخرى أطِع جسدك . فإن أي كلمة مكتوبة في الكتاب هي حياة لابد أن تُعَاش باستمرار وليس فترة مُعيّنة ، فإنه مكتوب "أُقمِع جسدي وأستعبده" (1كو9: 27) .. فليس معنى ذلك أن يقمع الإنسان جسده فترة ويعود مرة أخرى يطيعه لأن هذا ليس فيه نمو على الإطلاق لكنه رجوع للوراء بل ورجوع إلى نقطة أبعد من نقطة البداية لأن الذي لا يسير في الطريق أي الذي يصوم لمجرد إطاعة الطقس فهو يتغصَّب على الصوم .. لهذا فإن الصوم سوف يولِّد فيه النهم والاشتياق القوي للطعام الشهي الذي حُرِمَ منه . فإنه عندما يأتي هذا الإنسان الذي لا يسير في الطريق و يتغصَّب على الصوم فإنه في يوم الإفطار يتولَّد فيه نهم وشرَه للطعام لم يكن ليتولَّد فيه لو لم يصوم . إذن .. فالصيام والطقس صار بالنسبة له  رجوع إلى .الوراء .. وليس نمواً  أي صار الطقس لعنة .. وليس بركة ، لعنة .. وليس بركة .

فأين هذا النمو عندما يستمر إنسان عشرات السنوات تحت طقس .. و عندما يأتي الصيام يصوم و عندما يأتي الإفطار يفطر . وحتى الصيام بالنسبة للإنسان الذي لا يسير في الطريق سوف يكون مجرد تغيير طعام أو توقفه عن تناول اللحوم ، وطالما هو لا يدري بأهمية قمع الجسد أو صلبه عن الأهواء والشهوات أي انه لا يفهم القضية فإنه سيكون أمر طبيعي جداً انه سيحاول بشتّى الطرق ويسعى أن يجعل من الطعام النباتي أشهى مما يكون ويحاول أن يحصل على أكثر المشهيات من الطعام النباتي بمكسبات الطعم والإضافات التي تجعل الطعام شهياً كما كان الطعام في الإفطار .. أي يكون شهياً كما كان يجد المتع واللذة في اللحوم . فأين إذن هذا النمو الذي هو من صفات الطريق الذي يصل به لله الذي عاشه الله نفسه ..؟!! وأين كلام الإنجيل الذي يجب أن نعيشه باستمرار ..؟! وأين الطريق الكرب إذن والباب الضيق في نظر مَن لا يسير في الطريق أي كل مَن لم يسلك كما سلك الرب وكل مَن لا يعيش الحياة التي جاء الله بنفسه وعاشها وأرانا إياها ..؟! وأين كلام الإنجيل الذي يقول "لا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كو2: 16) . فهل الذين يسيرون حسب الطقس ويعتقدون انهم يسيرون في الطريق : هل هم لا يدرون انهم صاروا عبيداً للطقس وتحت ناموس يحكم عليهم ؟!!! والدليل انه لا يوجد نمو على الإطلاق في حياتهم . فإن الطقس ليس هو الطريق لأن الله لم يعيش هكذا ، لكن الطقس هو وسيلة رائعة تساعد الإنسان الذي يريد أن يسير في الطريق وخصوصاً في أول الطريق لأنه لا يقدر إنسان في أول بداية سيره أن يستمر صائماً منذ يوم بدايته دون توقف ، لكن عندما يمارس هذا الإنسان الطقس فإن الطقس يلزمه بالصيام فترة طويلة . لكن لو بقيَ هكذا عشرات السنوات : عندما يأتي الصوم يصوم و عندما يأتي الإفطار يعود يطيع جسده ويعبده .. فهو إذن لن ينمو أبداً . غير أن الذي يريد أن يعود لله سيطلب من الله وسيفتح الله ذهنه ويفهمه انه هناك طريق يعود به إليه ووسيلة وجهاد معيَّن يجعله يتحرر من عبوديته وهذا الطريق هو الذي عاشه الرب وما هو مكتوب في الكتاب انه "عاش الرب مماتاً في الجسد" (1بط3: 18) . فإن الطريق وهو صلب الجسد عن الأهواء والشهوات وهذا هو باب البداية . وبالطبع فإن هذا الإنسان يجب أن يعيش الإنجيل باستمرار إذا أراد أن ينمو باستمرار ، وهذا هو الطريق كما كان المسيح ينمو باستمرار . والإنجيل الذي هو كلمة الله يخبرنا بأن حياة المسيح تظهر فقط في جسدنا المائت فلابد إذن .. أن  نُسَلَّم دائماً للموت . فكل إنسان كان يجب أن يعرف أن مجرد أي طعام فيه شيئاً شهياً أو حتى مقبول .. فإنه يحرِّك اللعاب ، وهذا اللُعاب الذي وضعه الله في الإنسان في مدخل الإنسان عند  الباب  الذي به يُظهِر الإنسان هل هو سيعبد الله بتوقفه عن طاعة جسده بالتوقف عن إعطاء جسده أي شيء يشتهيه وإما سيستمر في عبادة جسده الجائع ؟!! فعندما يعطي الإنسان جسده أي شيء يجد فيه لذة ولو أقل القليل فهو يطيع جسده أي يعبده .

لكن ما الذي يحدث في جسم الإنسان ؟!! فإن الذي يحدث عندما يعطي الإنسان جسده أي طعام شهي .. فإن هذا اللعاب سيبدأ يخرج .. أي تفرز الغدة اللعابية هذا السائل المخاطي بمجرد انه تذوَّق شيء طيب المذاق ، وهذا اللعاب الذي هو السائل المخاطي هذا الذي أفرزته الغدة اللعابية سينزل في جسم الإنسان وهو سبب الخراب كله وبداية خراب كل شيء .

وهذا ما حدث لآدم بمجرد انه قطم قطمة من ثمرة كانت شهية للنظر وبهجة للعين  تغيَّرت طبيعته تماماً . فهو منذ لحظات كان طفلاً بريئاً لا يدري بأي أمر من الأمور الجسدية لكنه في الحال بمجرد انه جاء على الغدة اللعابية شيئاً شهياً فبدأ اللعاب الذي هو السائل المتحرك المخاطي [الذي دُعِيَ لعاب لأنه يتحرّك في أي اتجاه مثل شيء يلعب] بدأ هذا السائل ينزل في جسم الإنسان ، وهذا الذي جعل آدم في هذا الجوع أي انه في الحال صار في عبودية شديدة مريرة أي بدأ يشعر بما يشعر به الجسد لأنه استوطن بالكامل فيه .. فلأن الجسد في جوع لانهائي لعدم امتلاؤه بالله .. بدأ آدم بالتالي يجوع وانفتحت عيناه وبدأ يعرف حواء . لهذا عندما أراد القديسون أن يعودوا لله فتح الله ذهنهم على الطريق أي  طريق العودة  أي طريقة الجهاد الذي سيعود بنا لصورة آدم الأولى النقية عندما كان حُراً ، وهذا هو الطريق الذي جاء الله وتجسد وعاشه بنفسه ليرينا ما هي صورة الله وما هو الطريق للوصول لهذه الصورة أي يرينا الطريق للوصول للهدف الذي خلق الله الإنسان من أجله ، وهذا الطريق عاشه الرب بنفسه وكان مماتاً في الجسد في صوم إلى أعلى درجة إقماع جسد إي إذلاله .. لأن الرب كان في الصحراء وبقيَ في العراء أيام طويلة حتى يعلّمنا أنه لابد أيضاً أن لا نعطي الجسد أي تمتع لأنه أيضاً عندما نعطيه راحة سيثور علينا هو أيضاً .. كما ثار عندما نزل اللعاب فيه وزاد من جوعه نحو أي شيء آخر وبدأ يسعى بكل قوة ليسد جوعه من خلال حواسه الخمسة .. سواء من ناحية طعام ليشبع حاسة التذوق ، أو أي جسد آخر ليشبع حاسة اللمس أو أي جسد إنسان ليشبع حاسة النظر أيضاً التي عن طريقها يسعى ليشبع كيانه الجائع .. .. . لهذا قال لنا الرب في كلمته المحيية أن الإنسان الذي يرفض الرجوع لله اعتذر لله وقال له "إني اشتريت خمسة أزواج بقر وأنا ماضٍ لأمتحنها" (لو14: 19) وهذه هي حواس الإنسان الجسدية التي صارت في جوع كامل كطبيعة الحيوان ، وأراد أن يذهب هذا الإنسان ليجرِّب ويمتحن كل الأشياء التي في العالم أيٌّ منها يشبع كل حاسة ، بل وسعى هذا الإنسان ليضاعف امتحانه له لهذا قال خمسة أزواج بقر ، لهذا أخبرنا الرب بالعلاج بعدما عاش هو بنفسه الطريق وأوصانا أيضاً أن نقمع جسدنا و أيضاً نستعبده .

لماذا ؟! هكذا مكتوب "ونحن مستوطنون في الجسد سنظل غرباء عن الله" (2كو5: 6) أي طالما الإنسان مازال يحيا بالجسد والجسد هو الكيان المستوطن فيه سيكون الجسد مازال هو إلهه الذي يسوقه .. إذن .. سيكون الإنسان مازال في غربة عن الله بل في عداوة . ومكتوب أيضاً "إن عشتم حسب الجسد فستموتون"(رو8: 13) ويقصد الرب حسب الجسد أي حسب سياقه وحسب ناموسه وحكمه و عبوديته ، أي إن ظلّ الإنسان هكذا مستوطن في الجسد والجسد هو الكيان مازال إلهه الذي يسوقه فسيظل يخطئ و الشر سيظل حاضر عنده .. إذن .. ستكون النتيجة انه سيثمر للموت لأنه مكتوب أيضاً "لأنه لما كنا في الجسد" ويقصد الكتاب أي كنا مستوطنون فيه فهو سيظل الإله الذي يسوقنا إذن كل أعمالنا ستكون حسب مشيئة هذا الجسد الجائع .. إذن ستكون كل أعمالنا خطية ، فلما كنا في الجسد كانت وستكون كل أهواء الخطايا التي بناموسه أي بحُكمُه وتسلُّطه وتحكُّمه فينا ، فسلطانه سيعمل في أعضائنا وكل أعضائنا والنتيجة "سنثمر للموت" (رو7: 5) لهذا كانت أول خطوة يجب أن نخطوها وأول مرحلة هي التحرر من عبوديته وهذا بالتوقف عن طاعته في شيء يهواه ويشتهيه أي التوقف عن عبادته لنستطيع بالفعل أن نبدأ نعبد الله لأنه لا يقدر إنسان أن يعبد سيدين في وقت واحد .. لماذا لأنه لا يقدر عضو أن يستوطن في جسدين أي في كيانين في وقت واحد ويحيا ويتحرَّك بهما .

والذين بالفعل يريدون أن يكونوا في المسيح يجب أن يصلبوا الجسد مع أي شيء يهواه الجسد أو يشتهيه . غير أن الغدة اللعابية تبدأ تفرز اللعاب ليس فقط عندما يعطي الإنسان جسده [أي حاسة التذوق] أي طعام شهي بل مجرد أن يشتَمّ الإنسان رائحة أي طعام شهي .. أيضاً تبدأ الغدة اللعابية تفرز هذا اللعاب . وهذا ما جعل الله يحذّرنا "فوق كل تحفُّظ احفظ قلبك" (أم4: 23) و أضاء الله لنا بسراجه عندما أخبرنا أن الثمرة كانت شهية للنظر أي انه بمجرد حتى النظر لطعام شهي يبدأ الإنسان في أن يسعى لتناوله ودون أن يتحرّك الإنسان أي حتى لو لم يذهب الإنسان لهذا الطعام يبدأ يتحرّك السائل اللعابي في البداية . وبهذا ندرك أهمية نصيحة الله لنا أن "القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس .. مَن يعرفه"(إر17: 9) ، لهذا "فوق كل تحفُّظ احفظ قلبك" ، لأن "حياة المسيح لا تظهر إلا في الجسد المائت" (2كو4: 10و11) لهذا بدأ الرب كلامه في العهد الجديد بقوله "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون ولا تهتموا قائلين ماذا نأكل أو ماذا نشرب أو ماذا نلبس ولا تقلقوا ، فإن هذه كلها تطلبها الأمم العالم .. بل اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرُّه" (مت6: 25 ، لو12: 22) لأنه عندما يقوت الإنسان جسده في أول الطريق عن طريق أي قوت ليس فيه أي شيء شهي أي يقمع الجسد ويصلبه في أي شيء يهواه يتوقف السائل اللعابي هذا ، وبهذا سيكون هذا دليلاً على أن الإنسان بدأ يتوقف عن طاعة هذا الجسد وبالتالي يتوقف عن عبادته . فأي إنسان لم يبدأ في التوقف عن طاعة جسده وخاصة حاسة التذوق .. فهو لم يبدأ بعد في الطريق لأنه لم يدخل من الباب . فإن صلب الجسد هو  باب البداية  والذي لم يدخل منه فهو لم يسير في الطريق بعد بل لم يبدأ في الطريق حتى الآن كالبذرة التي لم تُدفَن فهي لم يبدأ النمو فيها بعد أي لم تبدأ فيها الحياة بعد .

إذن فإن البذرة التي لم تُدفَن هي لم تبدأ بعد في الطريق الذي يصل بها أن تصير شجرة كاملة وتثمر كل الثمار .

و أي إنسان لم يبدأ في توقفه عن طاعة جسده بصلبه عن أي شيء يهواه وخصوصاً حاسة التذوق .. أي مَن لم يبدأ في إماتة جسده أي أن يصلب جسده في ما يهواه ويشتهيه فهو لم يدخل من الباب بعد أي لم يبدأ بعد في الطريق الذي يصل به إلى الله .

 فالإنسان الذي لم يبدأ في الصيام الحقيقي وهو صلب جسده فهو لم يدخل من الباب بعد

والذي لم يدخل حتى الآن من الباب فهو لم يبدأ في الطريق بعد

فكما سلك المسيح هكذا سلك كل القديسون لهذا امتلئوا كل الملء لأنهم اتصلوا بالله على الدوام . فهذا هو الطريق الذي يصل بنا لله لأنهم جاهدوا ليتمموا شروط الاتصال بالله . فإن الذي يريد أن يسلك بالحق يجب أن يركّز على الهدف الحقيقي . فالهدف من ممارسة أي طقس كان يجب أن يكون الوصول لله ومساعدتنا في الطريق الذي يصل بنا إلى هذا الهدف وهو امتلاء هياكلنا من الله . لكن ليس الطقس هو الهدف ولا هو الطريق حتى أي ليس هو الوسيلة الوحيدة بل هو وسيلة مساعدة للوسيلة ويمكن أيضاً الاستغناء عنها لو استطاع الإنسان إتمام الوسيلة بنجاح وبإتقان . فإن الهدف هو الامتلاء من الله ، والوسيلة للوصول لهذا الهدف أي الطريق للوصول لهذا الهدف هي قمع الإنسان لجسده وتغصُّبه على الصوم الحقيقي وإماتته شهوات الجسد أي عدم طاعته في أي شيء يهواه والتغصُّب في الصلاة وهذه هي الوسيلة التي تصل بنا لله لأن هذا هو الطريق نفسه . وهذا لم يوفِّره لنا الطقس وحده أي ليس الطقس حتى الوسيلة الوحيدة ، لأن الوسيلة هي الطريق الذي سيصل بنا لله  والطريق هو عدم طاعة الجسد في أي شيء والتغصُّب في الصلاة التي لابد أن تكون في الخفاء  . وهذا هو كل ما يهدف إليه الكتاب المقدس وهو أن يؤكد لنا أننا بهذا نخلُص ونصل ، وهذا ما كان يعمله الله بنفسه ..  فإذا استطاع الإنسان أن يتمم ويمارس هذه الوسيلة أي أن يسير هذا الطريق بدون مساعدة فهو بذلك سار الطريق بنفسه و كُلُّه الذي ساره الله بنفسه وأرانا إياه بنفسه وهو الذي ساره كل آباؤنا القديسون والسواح الذين وصلوا لأعلى امتلاء من الله وأعلى قداسة . فهذا الطريق وهو المرحلة الأولى التي تقيمنا من الأموات والموت الذي وُلِدنا فيه . فإن العبودية التي تجعلنا نخطئ هي الخليقة العتيقة التي لابد أن نصلبها مع الرب وهذا لو كنا قد صرنا متحدين معه  بشِبه موته  أي كما علّمنا هو بنفسه انه بهذا الموت ندوس الموت أي بإماتة شهوات جسدنا وذاتنا والتحرر من عبوديتهما وعدم طاعتهما والتغصُّب في الصلاة .. فإننا بهذا سندوس على الموت الذي وُلِدنا فيه . إذن .. فهذا هو الطريق كله ، وكل الطقوس مجرد مساعدة لنا لكي نسير الطريق ، ولكن هو يساعد فقط كل مَن بدأ يسير في الطريق أي بدأ يموت بشِبه موت الرب أي توقفه عن طاعة وعبادة جسده .. أي الذي بدأ في الطريق الذي هو إماتة الجسد بشِبه موت الرب هو المستفيد الوحيد من هذا الطقس .

فطقس التناول يزيد إيمان كل مَن بدأ يسير في الطريق فقط ، فعندما نأتي ونتناول جسد الرب نتأكد من أننا قد صرنا متحدين معه أي يكون اتحادنا بمثابة الموت الذي يُوفي العدل الإلهي لأننا صرنا متحدين بجسد الرب المائت وبهذا  رُفعَت خطايانا . فإن الطقس قد ساعدنا في أن تزداد ثقتنا بأننا بالفعل اتحدنا بجسد الرب فرفع الرب خطايانا ، لكن ليس الطقس هو الطريق نفسه لأن الطريق هو جهادنا في عدم إطاعة جسدنا أي عدم عبادته لأننا بهذا وحده نتحرر من أصل المرض الذي يجعلنا نخطئ وهي العبودية . وهذا هو الطريق الذي جاء الرب وعاشه وأعطانا مثالاً له بأنه عاشه بنفسه لأنه لو كان الطقس هو الطريق الذي يصل بنا لله لكان الرب في بداية خدمته قد رسم كهنة ورتّب قداسات وبدأ يصلّي مع تلاميذه في كل يوم ويتناول معهم ويشبعهم ويقول لهم هكذا ستصلون إليَّ ، ولابد أن تفعلوا هذا . لكن لم يعيش الرب هكذا ولم يجاهد بهذه الصورة بل فقط كان يعتزل في البراري ويصلي ، وأكد لنا أن هذا الجنس [أي طبيعتنا العتيقة] لا تخرج إلا بالصلاة والصوم لأن هذا هو الطريق أي الوسيلة الوحيدة التي بها نعود لصورة آدم الأول لنكون قد عبرنا أول مرحلة . و قال الرب "أنا أعطيتكم مثالاً ، فكما صنعت أنا تصنعون انتم أيضاً" (يو13: 15) و قال الكتاب وأكّد لنا أن الرب عاش مماتاً في الجسد تاركاً لنا مثالا أي مثال للعمل والجهاد الذي يصل بنا إليه ، وهذا هو الطريق نفسه .

فلم يعيش القديس يوحنا المعمدان هكذا ومع ذلك وصل لأعظم مَن ولدتهم النساء . ولم يعيش القديس بولا والقديسة مارينا والقديسة مريم المصرية وأغلب الآباء السواح هكذا ، لكن كل هؤلاء قد  ساروا الطريق  الذي هو  حياة الرب نفسها  ، وإن كان منهم مَن كان يتناول جسد الرب في أواخر أيامه على الأرض ، ومنهم مَن لم يتناول أبداً مثل يوحنا المعمدان ليؤكد لنا الرب أن هذه الطقوس تساعد مَن يسير في الطريق الكرب .. لكن

الطريق أي الوسيلة الوحيدة التي تصل بأي إنسان مولود بالجسد إلى الله أي يعود إلى الله هو التوقف عن طاعة الجسد أي عبادة الجسد يوماً بعد يوم حتى يبطل جسد الخطية أي يقل استعباد وتحكم وسبي وسلطان الجسد علينا ، وفي نفس الوقت يجاهد الإنسان في الصلاة لله في الخفاء . ففي ذلك الوقت سيكون كالبذرة التي دُفِنَت فإن الله سيبدأ يعمل فيه ويوجد بروحه فيه كالجنين الذي بدأ يوجد . و عندما يتناول جسد الرب سيتحد بجسد الرب المائت فيزداد إيمانه انه صار متحداً به فسيكون هذا بمثابة الموت الذي كان واقعاً عليه لأنه صار مع الرب جسداً واحداً لأنه مصلوب أيضاً معه أي صالباً جسده في أي شيء يهواه أو يشتهيه ، ويسير أيضاً في الطريق الذي أرانا الرب إياه وعاشه وبهذا بدأ يموت بشِبه موت الرب .. فيوماً بعد يوم يبطل جسد الخطية أي عبودية الجسد ، و عندما يسمح الله له بأي إهانة أو مرض فبروح الله الذي بدأ يملئه سيدرك انه عندما يقبَل مشيئة الله ويرفض أن يتذمّر أي يرفض مشيئة نفسه سيموت أيضاً سلطان الذات و عبوديتها عليه ، فسيموت أصل المرض إذن .. وباستمراره في اتصاله بالله سيكون قد مات الذي كان مُمسَكاً فيه وسيتحرر تماماً  من العبودية التي وُلِد بها وسيعود نقياً إذن كما كان آدم أي سيولَد من الماء أي سيكون عَبَرَ أول مرحلة وعاد للصفر أي عاد لصورة آدم يوم أن خُلِقَ . وباستمراره في الصلاة سيبدأ يمتلئ من الروح أي سيبدأ يكون الله هو الرأس التي تحركه ومصدر حياته الوحيد لأنه بامتلاء روح الله فيه باستمرار اتصاله بالله سيكون قد صار في شبع بالله لأنه منذ أول يوم بدأ يصلب فيه جسده بدأ روح الله يوجد فيه وبتغصُّبه على الصوم الحقيقي بدأ الله يشبعه . و يوماً بعد يوم وبعد أن يتحرر تماماً من عبودية الجسد والذات لنا سيكون الله هو مصدر حياته بعد أن كان الجسد هو مصدر حياته وذاته كانت هي الرأس التي تحركه هذا لأنه كان مستوطناً في الجسد ، لكن بعد تغرُّبه عن وبدء استيطانه في الله وهذا عندما يصل لصورة آدم الأول فيبدأ الله يصير له مصدر حياته وسيبدأ يعيش كما في السماء يعيشون وكما سيكون أيضاً في السماء .. و هكذا سلك كل آباؤنا القديسون الذين صار الله كل شبعهم مثل الأنبا بيشوي الرجل الكامل الذي قضى سنوات دون أن يأكل أو يشرب لأن الله صار هو الكيان الذي استوطن فيه فصار مصدر حياته الوحيد .

وهذا هو الطريق كله للحياة الأبدية . الذهاب لأعلى الصفحة


التحكم في الصوت

 

الصفحة الرئيسـية المعـجـزة
مقدمة التمهيد