Make your own free website on Tripod.com
أسئلة سألني إياها الله لكي يجعلني أدرك أنني لم أكن أعرف الحق(تابع)

 

 لكن ماذا حدث بالنسبة لآدم ..؟! .. فإن آدم وجد أمامه ذات أي عقل ومشيئة وإرادة وله مطلق الحرية الكاملة أن يفعل ما يريده ووجد جسد يمكنه أن يحيا بواسطته ، و بواسطته يستطيع أن ينفِّذ مشيئة ذاته ، ووجد .. وأدرك .. وعرف بالطبع أنه لكي يتصل بالله يجب أن ينكر ذاته تماماً أي لا يكون له أي رأي أو أي مشيئة خاصة به ولكن عليه فقط أن ينفِّذ مشيئة الله .. و أيضاً عرف أنه يجب عليه أن يبدأ يقلل من الشبع من جسده هذا أي يقلل من الاعتماد عليه كمصدر حياة أي أن يبدأ في أن يصوم صيام انقطاعي عن الطعام حتى يبرهن لله أنه يريد بالحقيقة أن يصير لله ويكون الله هو مصدر حياته ، وبالطبع كان لابد لله أن يكون قد فتح ذهن آدم على معرفة إرادة الله أي على الهدف الذي خلقه الله من أجله وعلى الطريق الذي يصل به للهدف الذي خلقه الله من أجله وهو أن يستوطن فيه ليصير عضواً فيه فيصير جزء منه فيصير حينئذٍ صورة لله ومثاله وبهذا سيتمتع بالله كمال المتعة مع أن آدم لو كان قد بدأ أن يقلل من الشبع بجسده أي يبدأ أن يقمعه [كالبذرة التي يجب أن تُدفَن حتى تستطيع أن تتصل بمصدر حياتها] .. كان لن يجد صعوبة في هذا الأمر لأنه كان سيصير شيئاً طبيعياً أن آدم عندما يتصل بالله كان سيجد وسيشعر بشبع كامل من الله ، وهذا الشبع كان سيجعل صلبه لجسده أمراً سهلاً وخصوصاً أن آدم لم تكن قد تغيّرت طبيعته أي لم يكن قد صار تحت ناموس الجسد أي تحت سياق وعبودية وسبي وتحكم الجسد الذي يسبيه ويستعبده . لكن آدم قد توهَّم أن ذاته ملكه وعقله وقلبه وجسده ملكه أيضاً ، فبدأ يسلك في الوهم أي في الباطل وليس في الحق ، وبهذا ..  بدأ أول انهيار وخراب للإنسان  وهو رفض الإنسان أن يسلك في الحق لأنه رفض الله الذي هو  الطريق  والحق  والحياة . فعندما لم يتصل آدم بالله فهو بذلك  رفض تنفيذ مشيئة الله وقَبِلَ تنفيذ مشيئة ذاته  أي انه  عَبَدَ ذاته  ، وهذا هو أول إله يعبده آدم لأنه أول شيء يطيعه آدم ، فلم يسلك آدم في الحق بل إنه بدأ يسلك في الباطل .. لهذا جاع آدم ، لأن الله جعل طبيعة عقله وقلبه وجسده كفجوات لابد أن تمتلئ من الله الغير محدود لهذا جعل الله هذه الفجوات لا نهاية لها في الاتساع لأنها من طبيعة الله عندما نفخ في التراب لأن الله كان كل هدفه أن يملأ الإنسان المحدود الترابي منه هو الغير محدود لهذا جعل طبيعته كفجوات لانهاية لها في الاتساع حتى يستطيع الإنسان أن يمتلئ بالله الغير المحدود .. ولهذا فهذه الفجوات أيضاً إن لم تمتلئ من الله ستصير في جوع بل وجوع كامل لانهائي أيضاً لأن طبيعتها لانهاية لها في الاتساع وجعلها الله هكذا حتى يمكن أن تَسَع الله الغير المحدود ، و أيضاً إن لم تمتلئ من الله ستصير في ألم . لهذا عندما لم يتصل آدم بالله لم تمتلئ هذه الفجوات وهي فجوة عقله وقلبه فصار في ألم شديد .. وقد جعل الله صفات و طبيعة عقله وقلبه إن لم يمتلئ بالله يصير الإنسان في ألم حتى يحثّه الله على أن يتمم قصد الله .. لهذا بدأ آدم يسعى لسَدّ جوعه ..  ففي ذلك الوقت بالتحديد بدأ ينفّذ مشيئته هو  أي بدأ يطيع ذاته ، فصار في الحال عبداً لذاته ، لهذا صارت ذاته هي أول إله يعبده فبالتالي فهو أول إله بدأ يسوقه لهذا فإن آدم عندما ملأ فجوة عقله بذاته وبمشيئته بدلاً من أن يملئها بالله أي بمشيئة الله فبدأ يشعر بألم شديد ويحتاج إلى معين لأن فجوة عقله اللانهائية قد انفتحت وبدأ يشعر بهذا الفراغ الغير المحدود .. ولأن الله ترك للإنسان مطلق الحرية لهذا فإنه أحضر له جميع الحيوانات حتى يبدأ يملأ فراغ عقله المتألم من عدم امتلاؤه بالله لتكون بمثابة وظيفة يشغل بها عقله ، مع أن الله سبق وأوصاه ونهاه أن لا يأكل من الشجرة ليكون هذا بمثابة لفت نظر لإطاعته هو ليلفت نظر آدم انه هو الإله الذي يجب أن يطيعه ليصير الله هو رأسه و عندما يتصل به يبدأ يمتلئ منه ليصير الله مصدر حياته الوحيد ، فحينئذ يصير آدم عضواً في الله . لكن آدم تمادى في الابتعاد عن الله ، وبعد أن بدأ يطيع ذاته وملأ بمشيئته فجوة عقله [التي هي هيكل لله والتي كان يجب أن تمتلئ من الله وأن يحبه من كل فكره] وبدأ ينظر للحيوان . فعندما غار آدم من الحيوانات لأنه وجد أن لكل ذكر أنثى تماثله في طبيعته ، فيقول الكتاب (تك1: 20) "وأما لنفسه لم يجد  معيناً نظيره " [أي يشبهه] أي معيناً يعينه على الألم الذي صار هو فيه بسبب الجوع الذي صار فيه بسبب عدم امتلاؤه من الله بسبب عدم اتصاله بالله . فأخبرنا الكتاب انه في هذا الوقت بالتحديد أحضر له الرب الشيء الذي طلبه فمكتوب (تك1: 21و22) "فأوقع الرب سباتاً على آدم .. وأحضر حواء إلى آدم" وأعطى له حواء ولكن أيضاً ليس لكي ينشغل بها آدم عن الله بل لعلّها تشجعه على أن يسير في الطريق ، إلا أنه امتلئ قلبه منها وأدخل فجوة قلبه حواء وملأ بها هيكل الله الذي كان يجب أن يمتلئ كله بالله أي أن يحب الله من كل قلبه فصار أيضاً عبداً لحواء لهذا أطاعها بدون نقاش عندما أعطته الثمرة دون حتى أن تُكلِّمه كلمة واحدة فمكتوب "وأعطت رجلها أيضاً فأكل معها" (تك3: 6) . فالذي يدهش العقل أن عبوديته لحواء جعلته لا عقل له ولا مخافة أي جعلته لا يشعر ولا يخاف حتى من الموت الذي حذَّره منه الرب لأن أي عبودية تجعل الإنسان لا يعرف ماذا يفعله . فصارت حواء ثاني إله يتعبد له آدم لأنه أطاعها وهذا الإله هو السبب أيضاً في أن يعبد آدم جسده دون نقاش .

فإن إطاعة آدم لذاته كانت السبب في انه طلب حواء أي طلب معيناً نظيره ، وبعد إطاعته لحواء جعلته يطيع جسده ويطيع الشيطان ، أي أن عبادة آدم لذاته كان أول خراب وانهيار له ، فهي أساس وبداية الخراب الذي حدث له فهي التي أدَّت لتدحرج آدم لينجرف تحت عبوديات عديدة و كما هو مكتوب "أن الخطية خاطئة جداً" (رو7: 13) أي أن كل مَن يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً ، لهذا عندما أطاع آدم جسده أيضاً عندما أكل من الثمرة قطمة واحدة صار في الحال عبداً لجسده .. فصار بعقله وبقلبه أيضاً في عبودية هذا الجسد أي صار آدم عبداً بكل كيانه لجسده أي صار يخضع خضوع كامل لجسده فصار [كما هو مكتوب] مستوطناً في الجسد أي صار في عبودية شديدة وقاسية وصار عقله وقلبه تحت عبودية الجسد لهذا يقول الكتاب  انفتحت أعينهما  .

فالذي حدث في ذلك الوقت بالتحديد أن الفجوات التي في الإنسان التي لانهاية لها في الاتساع وهي فجوات عقله وقلبه و أيضاً فجوة الجسد بكل حاسة فيه عندما لم تمتلئ بالله صارت في جوع كامل وجوع شديد جداً لأن آدم بدأ يشعر بهذا الجوع الذي صار لانهائي وهو أكثر بكثير جداً من الجوع الأول الذي كان فيه عندما لم يتصل بالله و عندما طلب معيناً نظيره ، لأنه كان في أول الأمر كانت فجوة عقله فقط هي الفجوة التي كان يشعر بها آدم أي يشعر بجوعها أما عندما أطاع حواء وصار تحت عبوديتها و عندما صار تحت عبودية الجسد عندما أكل من الثمرة فإن آدم بدأ يشعر بجوع كل حاسة في جسده أي أن حاسة العين صارت في جوع لانهائي ، ولكي يسِدّ آلام جوعها لابد أن يسعى أن يشبعها بأي شيء يطلبه الجسد وإلا سيهلك من الجوع ، وحاسة اللمس أيضاً وهي أشدّ جوعاً من كل الحواس على الإطلاق إن لم يشبعها سيصير في ألم شديد فلابد أن يسعى لكي يشبع هذا الجوع عن طريق جسد آخر وإلا سيهلك من شدة الجوع وهذا ما أخبرنا به الرب في قصة الابن الضال عندما ابتعد عن أبيه حدث جوع شديد وقال الابن : أعود لأبي لأني  أهلك جوعاً  (لو15: 17و18). ولأن آدم استوطن في الحال في الجسد أي صار كالعضو في هذا الكيان فصار واحداً فيه فشعر بجوع كل حاسة وكان هذا الجوع لانهائي ، لهذا بدأ يعرف كل الأمور الجسدية و قال الكتاب "انفتحت أعينهما" (تك3: 7) أي بدأ يسعى أن يشبع أولا عن طريق حاسة النظر وبدأ يسعى أن يشبع حاسة النظر بجسد آخر أيضاً لذلك بدأ يعرف حواء وهذا لأنه بدأ يشعر باحتياج وجوع وبدأ يسعى لسد جوع كل حاسة عن طريق طعام أو جسد آخر . فاتسخ هيكل الله ولهذا فقد وقع على آدم قضاء الله بأن الله سلَّم آدم لجسده ليصير له عبداً فصار آدم في عبودية مُرَّة .. مع أن عدل الله كان يستوجب في أول الأمر عندما لم يتصل آدم بالله أن يموت ويعود للفناء لأنه لم يعيش الغرض الذي خلقه لأجله .. إذن فهو كان لا يستحق هذا الوجود ، ولكن الذي حدث .. ليس هذا فقط .. بل إن آدم أجبر الله على أن يُستَعبَد معه لأنه آدم وروح الله شيئاً واحداً كما قيَّد فوطيفار يوسف وسجنه فصار عبد ذليل مُقيَّد ، فإن فوطيفار هو رمز لآدم الذي سمع لامرأته وهكذا فعل آدم أنه بسبب ما عمله جعل الله الإله الخالق يصير عبداً ويُهان ويُضرَب ويُبصَق عليه ويُجلَد ويُذَل مع الأثمة ، لهذا فإن خطية آدم كانت أعظم ما يكون فإنه كان ليس فقط يستحق الموت لأنه في أول الأمر لم يعيش لله ورفضه بل إنه عصى أمر الله واستخدم هيكل الله لنفسه واستخدم عقله وقلبه [اللذان هما هيكل لله] لنفسه مع أن كل نفسه بيت لله وهيكل الله لذلك صارت عقوبته العذاب الأبدي ، فلم يكن من حقه أن يستخدم بيت الله لنفسه أي أن يُدخِل في عقله أو قلبه أي شيء آخر غير الله .. فكل ما للإنسان وكل ما أُعطِيَ له هو مال ظلم لأنه ليس مِلكُه فإنه سرق حق الله وأدخل ذاته و حواء و العالم في هيكل الله ، فاتسخ هيكل الله . وليس هذا فقط بل استُعبِدَ آدم لجسده واستعبَد الله معه أيضاً لأنه هو وهيكل روح الله كيان واحد وهذا ما أشار الرب إليه عندما دخل الهيكل فوجد الباعة .. والغنم .. والبقر .. والصيارفة فصرخ متوجعاً وقال :  بيتي .. بيت صلاة يُدعى .. وأنتم جعلتموه .. مغارة لصوص . وكان يقصد الرب هنا كل نفس لم تملأ عقلها وقلبها [اللذان هما بيت وهيكل لله] بالله نفسه .. لهذا ما فعله آدم كان نتيجته أنه جعل الله الخالق يأتي ويتجسد ويصير عبداً ذليلاً لأنه عندما صار آدم عبداً لجسده هذا جعل الله يصير عبداً أيضاً والذي بلا خطية صار خطية لأجلنا (2كو5: 21) ، فكان الحكم على آدم ليس فقط الموت أو الرجوع للفناء مرة أخرى بل العذاب الأبدي وهذا ما كان سوف يحدث لكل إنسان مولود بالجسد أي تحت عبودية جسده إن لم يموت الله المتجسد عنا ، أو هذا ما سيكون لكل مَن رفض الله بعدم سيره في الطريق الكرب الذي جاء الله وعاشه بنفسه أي إن لم يموت الإنسان مع الرب ويتحد بشِبه موت لن يصير هو وجسد الرب جسداً واحداً ، فسيكون منفصلاً عن الله ، فلن يموت إذن عن خطيته لأن اتحاده بجسد الرب هو بمثابة موت الإنسان نفسه حتى يظل الله عادلاً ويبقى رحيماً ، لأن موت الرب وحده لن يرفع خطية الإنسان لأن عقوبة وأجرة الخطية موت أي ليس موت الله بل موت الإنسان . فعندما مات الرب فهو فقط فتح باباً للنجاة ، فإذا دخل أحد فيه سيخلُص ، لكن مَن لم يدخل فيه كيف يتوهَّم أن هذا الباب جعله كأنه قد وصل وصار في الفردوس ؟! فإن الذي عَبَر الباب فقط هو الذي سيخلُص كما أخبرنا الرب "أنا هو الباب إن دخل أحد بي سيدخل ويخلص" (يو10: 9) وهذا بأن يموت بشِبه موت الرب بجهاده في عدم الاستمرار في طاعة الجسد أي صلبه عن أي شيء يهواه ، فبذلك عندما يأكل جسد الرب المائت سيكون هو والرب شيئاً واحداً ، فسيكون الإنسان الخاطئ كأنه هو المائت لأنه صار واحداً مع جسد الرب المائت وبهذا ستُرفَع عقوبته الأزلية . وهذا قصد الرب "إن دخل بي أحد" . لأنه أي عقل يقول أن هناك باب لدخول الفردوس ثم يتوهَّم إنسان أنه بدون أن يعبره يصير في الفردوس؟!!! كيف يُعقَل هذا ؟!!

والآن كل إنسان يجب أن يعرف أن أول انهيار وأول خراب حدث في تاريخ البشرية كان أساسه هو تنفيذ الإنسان لمشيئته أي إطاعة ذاته أي عبادة ذاته وهذا كان  أول إله يعبده الإنسان  . وإطاعة آدم لذاته ومشيئته أدت إلى أول خراب يحدث في كيانه بل كانت إطاعته لمشيئته [التي هي عبادته لأول إله] كانت هي أساس المرض  وأساس الخراب  الذي دخل في الإنسان ، لهذا أدرك الشيطان هذه الثغرة التي انفتحت التي قد فتحها آدم بنفسه لهذا سعى لتوسيع هذه الفتحة ليدخل بحر العالم كله داخل الإنسان ليكمل خرابه لهذا خدع آدم و حواء بأنهما سيصيران مثل الله أي عندما أدرك نقطة الضعف وأصل وبؤرة تسرب الخراب للإنسان سعى لتوسيعها .

وهناك شيئاً هاماً جداً أيضاً يغفله الكثيرون وهو أن نتيجة أن فجوة عقل الإنسان التي خلقها الله فيه لانهائية الاتساع حتى يستطيع الإنسان المحدود جداً أن يحوي الله الغير محدود حتى يحبه من كل فكره ، فهذه الفجوة اللانهائية عندما لم تمتلئ بالله الغير محدود عندما أطاع آدم مشيئة ذاته ، فإنه في ذلك الوقت بالتحديد ملأ فجوة عقله اللانهائية بذاته ، فبدأ يشعر ويتوهّم الإنسان أن ذاته هي الإله لأنه بدأ يعبد ذاته في كل ما ترغب فيه ذاته ، لذلك أي إنسان مولود بالجسد أي في عبودية جسده وذاته يسعى أن يعظِّمه الجميع بل ويجد شبعه أيضاً في هذا الأمر بل ويجد لذة ومتعة وفرح ونشوة عندما ينحني له إنسان ويحترمه ، و لهذا السبب ومن هنا سعى كل إنسان وسَعَتْ البشرية أن تحصل على المال بِشَتَّى الطرق لأنه أكثر الأشياء التي ترفع من وضع الإنسان فيزداد احترام الناس له أي يزداد شبعه وتوهُّمه أنه إله أكثر فأكثر ويزداد الوهم انه إله له العظمة والتمجيد . وعاش كثيرون وماتوا ولم يدركوا هذا المرض ومن أين أتى و لماذا هم هكذا لا يقبلوا أي إهانة أو عدم إحترام أي أحد لهم !!!!! ولكن الحقيقة والذي حدث أنه عندما أطاع آدم ذاته ملأ فجوة العقل التي هي في الحقيقة هيكل لله والتي كان يجب أن يملأها الله ولكن ملأها الإنسان من ذاته فصار في وهم لانهاية له أنه إله بل وصار في جوع شديد جداً لاحترام الناس له بل ويمكن أن يدفع أموالاً أو يفعل أي شيء أو يكذب حتى يصير عظيماً في أعين الناس لأنه يجد الشبع والمتعة والفرح عندما يحترمه الناس لأن احترام الناس له يُرضي الإله الوهمي الذي الإنسان هو متوهم أنه إله ، وكل هذا يؤكد أن الإنسان يعيش في الباطل وفي الكذب لأنه في الحقيقة لا يوجد إله غير الله . كما قال الكتاب

"إذ كنتم لا تعرفون الله استُعبِدتُم للذين ليسوا بالطبيعة آلهة" (غل4: 8)

فإن ما حدث لآدم مثل إنسان كان في فُلك مُغلق من جميع الاتجاهات أي كان في أمان كامل في الداخل ، وأما في الخارج وكان يوجد طوفان مريع ، لكن كان هذا الإنسان في أمان وسلام في الداخل ، وهذا هو حال آدم الأول عندما لم يكن قد صار بعد تحت أي سبي أو ناموس أو عبودية أي قبل أن يدخل العالم فيه . ولكن جاء هذا الإنسان وفتح فتحة في الفلك ولكن هذه الفتحة ليست كالفتحة التي خصصها الله لآدم في أعلى سقف الفلك التي جعلها الله له مثلما أوصى الله نوح [وهو رمز للنفس التي تسعى لخلاصها] فقد خصص الله له طاقة واحدة في الفلك أي فتحة وحيدة والتي نصحه الرب أن يفتحها هي فقط لكي يستطيع من خلالها أن يرى الله وحتى لا يدخل بحر العالم فيه أي في فلكه ، ولكن هذا الإنسان جاء وفتح فتحة في جنب الفلك أي في الجدار الجانبي وكانت النتيجة أن الماء اندفع بقوة شديدة ودخل داخل الفلك وكأنه  انفجار  حدث فبدأ يدمر أي شيء أمامه ، وفيما ينجرف الماء فإنه وقع على هذا الإنسان فقذف به وطرحه بشدة فاصطدم بإحدى الجدران فانكسرت عظامه من شدة الارتطام . فإن انكسار عظام هذا الإنسان كان بسبب اصطدامه بإحدى الجدران ، ولكن لم يكن هذا هو  أساس الخراب  الذي حدث لهذا الإنسان وإن كان يبدو أن اندفاع الماء بقوة هو السبب في انكسار الإنسان ن لكن الحقيقة انه هناك سبب أولي وهو  أساس الخراب  الذي أصاب الإنسان وهو أن الإنسان فتح فتحة في جدار الفُلك . و هكذا ما حدث مع آدم ، فإن أساس الخراب الذي حدث للإنسان الأول هو انه  أطاع مشيئته  فصار تحت أول ناموس وأول حكم يتحكم في الإنسان وهو ناموس ذاته لأنه أطاع ذاته ، وهذه العبودية كانت هي  الثغرة  والفتحة التي أدت إلى باقي الخراب والمرض الذي أصاب الإنسان لأنه عندما رفض آدم مشيئة الله بأنه رفض أن يعيش الحياة التي خلقه الله لأجلها ، فهو في ذلك الوقت بالتحديد بدأ ينفذ مشيئته أي بدأ يطيع ذاته أي بدأ يعبد ذاته ، فصارت ذاته إلهاً يتحكم في آدم . وهو هو أول الخراب وبدايته . فبدأت ذاته تتسلط عليه وتتحكم فيه وتجبره وتسبيه أن يسعى لسد آلام جوع هذه الفجوة فهذا التحكم والسبي وهو تحكم ناموس ذات آدم وسلطان ذاته جعل آدم يطلب ويرغب أن يكون له معين نظيره أي معين بشري مثله ، ولأن الله ترك الحرية الكاملة للإنسان فأحضر له ما أراد وهي حواء ، و عندما جاءت حواء ملأت عقله أيضاً وملأت قلبه . وإن كانت حواء هي الوسيلة التي طلبها آدم لتنفيذ رغبة الإله الأول وهو ذاته إلا أنها صارت إله آخر لآدم !! مثل المال الذي يسعى الإنسان للحصول عليه لتنفيذ مشيئة ذاته أيضاً لكن هذا المال كان هو الوسيلة الأسمى بل وأكبر وسيلة لإرضاء ذات الإنسان ، إلا أن المال صار إلهاً أيضاً واستعبد الإنسان . هكذا صارت حواء إله آخر لآدم والدليل انه لم يبالي بوصية الله بل حتى لم يبالي بموته أو فناؤه الذي حذره الرب منه عندما قال له "موتاً تموت" بل ولم يخاف من الموت أي صار لا يشعر ولا يحسّ وهذا ما تفعله العبودية . لهذا نجد أن أشرّ الأشرار يعرف أن هناك أبدية ويعرف انه ربما يموت اليوم .. لكن .. ما الذي يجعله لا يخطو أي خطوة إيجابية تجاه خلاصه ؟!! هذا من شدّة سبي وعبودية العالم والذات والجسد التي تجعل الإنسان لا يعرف ماذا يفعل ، ولكن هذا ليس عذراً أمام الله يوم الدينونة .

فكل الذي حدث لآدم لأن آدم صار له إله آخر وقوة وحكم يتحكم فيه ، و طبيعة الإنسان التي خلقها الله هي مثل أي عضو .. فمجرد انه يطيع أي كائن سيصير هذا الكائن بمثابة الرأس بالنسبة له لأنه أطاعه ويتحكم فيه كل التحكم ويجعله لا رأي له ولا عقل ولا مشيئة ولا يشعر ولا يخاف كما أخبرنا القديس بولس عندما قال "أما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية .. إذ لست أعرف ما أنا أفعله  إذ لست أفعل ما أريده  لأن هناك ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني للشر الذي أنا أبغضه" (رو7: 14-23) . لأن أي كائن أطاعه الإنسان صار إلهاً للإنسان وصار القوة التي تتحكم فيه . و حواء أيضاً جعلت آدم يطيع جسده عندما أعطته من الثمرة وبدون نقاش أطاعها آدم عندما قال الكتاب "فأعطت رجلها فأكل معها" . فاستوطن آدم بالكامل في الجسد وصار عبداً له بل وفي عبودية كاملة .

ولكن كل هذا الخراب كان بدايته وأساسه إطاعة الإنسان لذاته ، أي أن إطاعة آدم لحواء ولجسده وللشيطان كانت ليست إطاعة لهؤلاء فحسب بل كان أساسه ووراءه أن آدم كان ينفذ مشيئته . أي أن عدم إطاعة آدم لمشيئة الله بعدم اتصاله بالله وعدم امتلائه بروح الله جعل آدم في ألم شديد وجوع شديد ، وهذا الألم جعله يبدأ ينفذ مشيئته التي أعطاها الله له أي بحسب الحرية الكاملة التي أعطاها الله له وجعل له مطلق الحرية أن يفعل ما يشاء ، ففي اللحظة التي بدأ آدم ينفذ مشيئته بسبب انه رفض أن يحيا الهدف الذي خلقه الله لأجله وهو أن يبدأ يتصل بالله فهو كأنه فتح فتحة في الفُلك الذي بناه الرب له أي أن إطاعة آدم لمشيئته أي عبادة ذاته هي أساس الخراب الذي أدى إلى عبادته لحواء و رئيس العالم ولجسده .

لهذا فكان  الطريق للحياة  أي العودة للحياة مرة أخرى هو إغلاق هذه الفتحة التي دخل منها الماء الذي خرّب الفلك ، وهذا لا يصير إلا بعد أن يُشفى الإنسان من الكسر الذي حدث له . إذن .. الطريق لابد أن يكون على عدة مراحل وخطوات :  فأول مرحلة  شفاء الإنسان من كسره ، ثم عندما يستطيع أن يقوم وتصير له المقدرة على الحركة يبدأ في إغلاق الفتحة التي فتحها . هكذا آدم وكل إنسان مولود بالجسد هو عبد لذاته ولجسده لكن أساس الخراب هو عبودية الإنسان لذاته لأن عبادة الإنسان لجسده هو نتيجة أن هذا الإنسان يريد إتمام مشيئة ذاته .. أي أساس عبودية الإنسان لجسده وللناس وللعالم هو عبوديته لذاته أي رغبته في إتمام مشيئة نفسه وهذا لإحساسه بوجوده . إذن .. إحساس الإنسان بوجوده وبذاته هو أساس الخراب كله لهذا  فكان الوصول لعضوية الإنسان في الله يصير بإنكار الإنسان لذاته هذه  .

وهذا ما أخبرنا به الله "مَن أراد أن يتبعني فلينكر ذاته ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني"

 

إذن .. موت عبودية الذات أي التحرر من عبودية الذات هو نهاية المرض ونهاية الخراب كله .

وهذا لا يصير إلا عندما يصير للإنسان مقدرة وقوة أي قوة روح أي رصيد روحي عالي حتى يستطيع الإنسان أن ينكر ذاته أي يرفض الإنسان أن يصير له وجود .. لأن هذا الأمر صعب جداً ويبدو مستحيلاً بل ضرب من الخيال : لأنه كيف لإنسان أن يقبل أن لا يكون له وجود ؟!! وكيف هو نفسه [ أي بنفسه ] يلغي نفسه ؟! وهذا ما أخبرنا به الرب انه "ما أضيق الباب !! وما أكرب الطريق!!" (مت7: 14) أي أن هذا الأمر أكرب وأصعب ما يكون ومثل مرور جمل من ثقب إبرة . لهذا لا يتم هذا الأمر إلا بخطوات معينة يجب أن يصل الإنسان فيها إلى حالة معينة حتى يقبل أن يصير لا وجود له لهذا عندما سأل الرب واحد من الذين يريدون أن يعودوا إليه وقال : يارب .. أ قليلون هم الذين يخلصون ؟! فأجاب الرب وقال له : اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق لأنه ما أضيق الباب وأكرب الطريق المؤدي للحياة وقليلون هم الذين وجدونه .. الحق .. الحق أقول لكم  إن كثيرون أرادوا ولم يقدروا  . فإن أي إنسان لكي يقبل أن ينكر ذاته

لابد أن يكون هذا الإنسان قد وجد وجود آخر في كيان آخر وأدرك غنى هذا الوجود الثاني

لهذا قَبِلَ أن يُضحِّي بكل شيء حتى بوجوده لأنه أدرك أن وجوده هذا هو باطل وشيء غير حقيقي وشيء مؤقت سيزول الآن بل وسرقة وخراب لأن عقل الإنسان ليس من حقه حتى أن يستخدمه لنفسه . فكيف لإنسان بعد أن أيقظه الرب على الحق وصار عاقلاً يقبَل أن يُضحِّي بوجوده مع الله طوال الأبدية بعبادة ذات أي عبادة شيء كالسراب وكالنفخة وكأنه يقبِض على هواء ويسعى أن يقتني الريح ؟!!

لأن الله عندما خلق الإنسان جعل طبيعته كالعضو فقط ويحتاج إلى كيان يستوطن فيه ليحيا ويتحرك به أي يكون هذا الكيان هو الرأس ومصدر الحياة له و أي إنسان مولود بالجسد هو مستوطن تماماً في الجسد فلكي يقبل أن لا يحيا بالجسد بعد وأن لا تكون له مشيئة خاصة به ويقبل أن يكون هناك كيان آخر يكون هو الرأس بالنسبة له لابد أن يكون قد أدرك تماماً وصار في يقين كامل انه عندما ينكر ذاته فإنه سيُضحِّي بهواء وبسراب بل إنه كان ميتاً ، و عندما يقبَل أن يصير الله هو رأسه سيبدأ تكون له حياة حقيقية وحياة ستدوم إلى الأبد ، وهذا يصير عندما تنفتح عيناه على هذه الحقيقة التي هي أن الله هو الشيء الوحيد الحقيقي الذي له قيمة . ومَن لم يبدأ  يوجَد في الله  فلن تبدأ فيه حياة حقيقية ، غير أن كل ما نملك هو ليس لنا فالذي سيعتقد انه سيُضحِّي بكل ما يملك عندما ينكر ذاته نقول له : إنك فقط كالذي أعاد علبة المجوهرات للملك لأن الحقيقة هي أن هذا العقل والذات والمشيئة هي أشياء أعطاها الله للإنسان ليمتحنه بها .

ولكي ينكر الإنسان ذاته لابد أن  يتحرر من عبودية ذاته  وهذا يصير  بالتوقف عن طاعة ذاته  حسب القاعدة الإلهية أيضاً التي هي كما أن الإنسان يصير عبداً للشيء الذي يطيعه .. فالتوقف عن طاعة هذا الشيء يبطل سياق وتحكم و سبي وعبودية هذا الإله . وهذا ما جاء الله بنفسه وعلمنا إياه عندما عاش مماتاً في الجسد ليرينا أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تجعل الإنسان  مُحيياً فيالروح  أي يحيا بالله أي يصير عضواً في الله وهذا صار بأنه أمات ذاته .

ولكي يستطيع الإنسان أن يرفض مشيئته .. فهذه خطوة أخيرة وهي تسبقها عدة خطوات بجهاد طويل ، وعن طريق هذه الخطوات يكون للإنسان رصيد روحي حتى يقدر أن يرفض أي مشيئة ويقبل مشيئة الله سواء في صليب أو أي ألم لهذا أرانا الرب [كإنسان يسعى للكمال لأنه كان المثال النموذجي لإنسان يسعى أن يمتلئ كل الملء من الله] انه قَبِلَ الموت على الصليب وقَبِلَ كل الإهانات واحتمل كل ألم وقال "أما أنا فمستعد للسياط" (مز38: 17) هذا بعد سنوات طويلة من جهاده في موت الجسد..

ليكون لديه رصيد روحي عالي والذي به استطاع أن يعرف هذا الإنسان الله به المعرفة الكاملة ، وهذه المعرفة هي التي تجعل الإنسان مقتنعاً اقتناع كامل بأنه يضحّي بكل ما لديه ليوجد في الله .

وهذه التضحية هي إنكار الذات أي قبول مشيئة الله ورفض الإنسان لمشيئته ، غير أن روح الله سيجعله يدرك أن كل ما لديه هو ليس له لأن روح الله جعله يصير في الحق أي أدرك أن كل ما في العالم باطل ووهم وسيعبر كالريح وهو فترة امتحان وجعل الله أمام الإنسان المفاضلة .. بين ذاته أي استيطانه في جسده وأن تكون ذاته هي الرأس التي تسوقه ، و أيضاً .. يكون أمامه  الله  أي استيطانه في الله . ولا يستطيع أحد أن يقبَل أن يلغي نفسه بنفسه أي يقبَل أن لا يكون له أي وجود أي مهما أهانه الجميع يحتمل ويَقبَل كل شيء إلا إذا كان قد عرف الله معرفة كاملة وامتلئ من روح الله الذي هو روح الحق الذي جعله بعد أن تذوق الله يدرك أن أي شيء نفاية حتى نفسه أيضاً هي سراب ووهم وشيء غير حقيقي . وهذا هو الشرط الذي به فقط يستطيع الإنسان أن يصير عضواً في الله وبهذا سيضمن حياة التمتع بالله إلى أبد الآبدين . فكيف لإنسان أدرك هذه الحقيقة وأدرك أن هذا العالم سراب وسيزول يقبَل أن يتمتع بوهم وهو أن ذاته إله له القدرة على أن يفعل ما يشاء وهذا يكون في لحظات ستعبر وبعدنا يخسر كل شيء ؟!! وهذا ما أوضحه الله عندما قال واشترط "إن كان أحد يأتي إليَّ ولا  يبغض  أباه و أمه وامرأته وأولاده واخوته وأخواته  حتى نفسه أيضاً  لا يستطيع أن يكون لي تلميذاً ، فمَن أراد أن يصير تابعاً و عضواً فيَّ فلينكر ذاته وهذا بأنه يحمل صليبه كل يوم" (لو14: 26، لو9: 23) . وهذه هي الخطوة الثالثة في المرحلة الأولى التي بها يعود الإنسان للصفر أي لصورة آدم عندما كان حراً قبل أن يُستَعبَد لذاته ويصير تحت ناموس ذاته .

لهذا قام الرب في اليوم الثالث ليؤكد لنا أن المرحلة الأولى أيضاً [التي هي الطريق لعودة الإنسان للصورة الأولى وهي الطبيعة التي كان عليها آدم وهي نقطة الصفر أي الصورة التي كان عليها آدم نقياً وليس عبداً لأي إله] هي مرحلة تتم كخطوات ثلاثة أيضاً ، لهذا كانت أيام الخليقة الستة هي رمز وإشارة  للطريق كله  . فالثلاثة أيام الأولى هي رمز للمرحلة الأولى التي يعود فيها الإنسان لصورة آدم .. ففي اليوم الثالث عندما خلق الله النباتات كانت نهاية المرحلة الأولى هي رمز لخروج بحر العالم كاملاً من الإنسان عندما قال الرب لتنفصل المياه وتظهر اليابسة (تك1) وهي مرحلة موت عبودية الذات وهذا صار عندما جاهد الإنسان في اليوم الثاني وهي الخطوة السابقة له وهي جهاد الإنسان في موت عبودية الجسد بعدم طاعته وصلبه في أي شيء يهواه وهو اليوم الذي خلق الله فيه الجَلَد الذي كانت هناك مياه تحته ومياه أعلاه وهي مرحلة بداية الحياة في الإنسان كما حدث للبذرة بعد أن دُفِنَت فبدأ يظهر الجذر ويخرج منها .. هكذا عندما بدأ الإنسان في صلب جسده يبدأ روح الله يوجَد في الإنسان ، وبروح الله [ الذي بدأ يملأ الإنسان كالجنين الذي بدأ يتكوّن ] استطاع الإنسان أن يبدأ في التعرف على الله والاحساس بالله لأن الله روح ولا يقدر أي إنسان وهو بالجسد أي تحت ناموس الجسد أي في عداوة لله أن يتمم صلة وصلح بالله وهو مستوطن في كيان يجعله يفعل مشيئته هو . فمكتوب " يُحيينا بعد يومين " (هو6: 2) وهو اليوم الذي فيه بدأ الإنسان يصلب جسده فبدأ روح الله يوجد فيه فبدأ الحياة أيضاً تدُّب فيه واستطاع حينئذٍ أن يبدأ يشعر بالله بروح الله الذي بدأ يولَد ويوجَد فيه كالجذر عندما خرج من البذرة بعد أن دُفِنَت استطاع النبات أن يتصل بالماء مصدر حياته . لكن في اليوم الثالث فقط تتم القيامة لهذا قام الرب في اليوم الثالث وكل أحداث العهد القديم كانت في اليوم الثالث ليؤكد لنا الرب أن القيامة من الموت [ وهو عبودية الجسد والذات ] تتم بخطوات ثلاثة وهذا ما جاء الله بنفسه ليعلّمنا إياه فهو قد أعطانا المثال لكي نتبع خطواته .

فإن الذي يريد أن يعود للرب يجب أن يعرف انه لابد أن يميت أصل المرض والذي هو أساس الخراب وبدايته الذي سبب كل هذا الموت الذي فيه الإنسان هو : عبادة الإنسان لذاته . لأن كل عبادة أخرى مثل عبادة الناس وعبادة الجسد وعبادة رئيس العالم الذين وقع فيهم آدم كانت بسبب انه كان عبداً لذاته أي انه أطاع حواء لأنه رغب وشاء هذا أي بسبب إطاعته لذاته فهو قد أطاع حواء ، وبسبب عبوديته لذاته بدأ يطيع ويعبد جسده ، وبسبب إطاعته لذاته ومشيئته أطاع رئيس العالم وهذا رغبةً أيضاً في أن يصير مثل الله أي انه كان يسعى أيضاً لتغذية ذاته أي إشباعها بأعلى ما يكون بأنه رغب في أن يصير إله لذلك فإن أي عبادة أخرى لأي إله آخر سوف تكون بسبب الخراب الأول والأساسي الذي هو عبادة الإنسان لذاته:

لذلك فإن موت عبادة الذات وإنكارها تماماً هو الطريق الوحيد للعودة في الله ليكون الله هو الرأس للإنسان وهذا يكون بالتوقف عن إطاعة الجسد في أي شيء يهواه ويشتهيه والتوقف عن طاعة الذات كما هو مكتوب "الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" .

فكان يجب على كل إنسان أن يتفهَّم أصل المرض الذي وُلِدنا فيه وهو  العبودية  التي تجعل كل إنسان مسبي سبياً . وكان يجب أن يعرف كل إنسان السبب الذي جعله  عبداً  ومسبياً سبياً فريداً لهذه القوة الحاكمة حتى يسعى أن يعرف طريقة العلاج للتحرر منها . فالذي يركِّز في قصة آدم سوف يفهم هول العبودية المخيفة التي صرخ منها القديس بولس وقال "لست أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أنا أريده بل ما أُبغِضه إياه أفعل فليس فيَّ أي في جسدي أي شيء صالح ، فإني أُسَرّ بناموس الله حسب الإنسان الباطن وكلما أريد أن أفعل الحُسنى أجد أن الشرّ حاضراً عندي والشر الذي أنا أُبغِضَه إياه أفعل!! وهذا لأن ..  هناك ناموساً آخر في أعضائي  يحارب ناموس ذهني ويسبيني لناموس الشر الكائن في أعضائي ، ويحي أنا الإنسان الشقيّ ..!! مَن ينقذني من جسد هذا الموت؟!" (رو7: 16-24) . فكيف لإنسان كان ممتلئاً بروح الله [وكان يصنع المعجزات وكان أعظم مبشِّر في الكنيسة] يصرخ من عبوديته إلى هذا الحدّ ويكون مسلوب الإرادة؟!! فإن الله سمح بأن يكتب لنا هذا الكلام حتى يرينا حالتنا التي وُلِدنا فيها .. فإن العبودية قد بدأت عندما بدأ آدم يطيع مشيئة ذاته ورفض أن يعيش لله أي رفض أن يمتلئ عقله وكل قلبه من الله فلم يكن يصلي لله لهذا لم يمتلئ منه فلم يشبع منه بل طلب معين نظيره وملأ قلبه منها [حواء] لهذا صار عبداً لذاتِه ولحواء وللشيطان الذي أطاعه . فإن آدم مثل إنسان كان يسير في الصحراء ، فلو جاء إنسان وأخبره أن الطريق الذي يسير فيه يوجد به تنين مُهلِك : فهل نعتقد انه سيُكمِل الطريق ؟!! وحتى لو كان الإنسان الذي أخبره بهذا ليس أهل ثقة فإن الحكمة والعقل يقولان : لا يجب أن يسير في هذا الطريق . وهذا لأنه ربما يوجد احتمال ولو ضعيف جداً انه يوجد تنين مهلك في هذا الطريق ، فمِن الحكمة ألا يكمل هذا الإنسان سيره في هذا الطريق لئلا يموت . و لكن ماذا نقول لو ظهر الله نفسه لهذا الإنسان وأكَّد له انه في هو الطريق موت مهلك ؟!!!! فماذا نعتقد لو سار هذا الإنسان في هذا الطريق بعد تحذير الله له ؟! و ماذا نحكَمْ على هذا الإنسان ؟!! بالطبع سيكون الحكم انه مجنون أو الاحتمال الآخر أن إنساناً آخر خدَّره وجعله لا يرى ولا يسمع . لأنه لا يمكن لأي إنسان عاقل مهما كان شريراً انه لا يخاف على حياته لأن أي إنسان يحب نفسه أكثر من أي شيء آخر على الإطلاق .

والآن لنتذكَّر ماذا حدث مع آدم .. أن الله حذَّره انه سيموت موتاً لو أكل من الثمرة . فإن الذي يغفله الكثيرون والذي كان يجب أن يتأمله أي إنسان هو  ماذا هو سرّ .. عدم خوف آدم من الموت  واللامبالاة التي كان فيها نحو الموت ، بل بعد تحذير الرب له مكتوب أن حواء " أعطت رجلها .. فأكل معها " (تك3: 6) دون أي نقاش أو حتى دون أي جدال ، وكأن آدم كان نائماً أو مُخدَّراً وكان رهن إشارة حواء بشكل عجيب جداً وكأن حواء هي الإله بالنسبة لآدم ولهذا أطاعها بدون أن يتفوَّه بأي كلمة تُذكَر !!

فإن كثيرون يقولون إن الله طرد آدم لأن آدم لم يطيع الله ، ولكن لم يفكِّر الناس في جوهر القضية أي في  السبب  الذي جعل آدم لا يطيع الله وما هو السرّ الغامض الأول في عدم خوف آدم من موته و لامبالاته أيضاً ، وما هو السرّ الثاني وهو إطاعته لحواء وأنه صار رهن إشارتها وصار مثل الآلة التي تأخذ أوامرها من أي إنسان . فهذا الأمر يبدوا سراً غامضاً !! فإن سبب عدم إطاعة ا لله ليس أن آدم كان شريراً جداً وكان يريد أن يتحدَّى الله .. لكن هناك شيء قد بدأ يتسلَّط على آدم وجعله مسبي سبياً كاملاً من هذا الشيء الذي تسلَّط عليه تسلُّط كامل وجعله مثل كائن بلا عقل بل وبلا شعور أيضاً لأنه صار لا يخاف من موته ، لأنه لا يوجد إنسان عاقل لا يحب حياته ولا يخاف من الموت إلا إذا كان بلا عقل أو صار تحت مخدِّر قوي سَلَبَ عقله ، وهكذا أغلب البشر يعرفون أنهم سيموتون وأن هناك دينونة ومع ذلك لم يسعوا لخلاص نفوسهم من النار الأبدية وكل هذا بسبب  العبودية  الذين هم مولودون تحت سبيها والتي كان يصرخ منها القديس بولس الذي أخبرنا انه لا يستطيع أن يفعل الخير الذي يريده وهو ناموس الله الذي يُسَّر [= يبتهج بأن] يحياه .

والعجيب أن آدم لم يكن قد أطاع جسده بعد عندما كان تحت هذا السبي العجيب لأنه لم يكن قد أكل من الثمرة بعد ، ومع هذا كان قد وقع تحت سبي حواء وكان رهن إشارتها . فقد كان هدف أكل آدم من الثمرة يختلف عن الهدف الذي من أجله أكلت حواء : فإن حواء قد أغراها الشيطان بأنها ستصير مثل الله ولهذا أطاعت جسدها في رغبته في تحقيق مشيئة ذاته وهي أن تصير مثل الله ، لكن آدم لم يتناقش معه الشيطان لأنه وجده رهن إشارة حواء فأدرك انه لا يحتاج إلى إقناع لأنه بالفعل كان قد صار عبداً لذاته ولحواء وكانت حواء هي الرأس بالنسبة له لأن آدم أطاع مشيئة ذاته وأحب حواء وملأ عقله وقلبه منها وهذا هو السبب الذي جعله يُسبى سبياً كاملاً منها وصار كالآلة التي لا تفهم ولا تشعر بل صار لا يبالي حتى بالله ولم يعطي لله أي اعتبار ولا اهتم به ولا شعر بإلوهيته ولا خاف على قلبه أو مشاعره ولم يحترمه بأي صورة . والأمر المذهل أكثر من كل هذا أنه لم يخاف حتى من موته عندما حذَّره الرب موتاً تموت ..!! فالذي لم يعرف سبب هذا السرّ الغامض .. "الذي هو : كيف لإنسان لا يعبأ بموته ولا يبالي به" .. سيقف مذهولاً أمام شيء مُبهَم كالإنسان الذي كان سائراً في الصحراء وأخبره الرب أن في الطريق وحشاً مميتاً ، ومع هذا سار أيضاً في الطريق . فهذا يُبرهِن على شيء واحد وحيد ولا يوجد أي مبرر لهذا السرّ سوى أن هناك قوة خفية قد سَلَبَت عقله وجعلته رهن إشارتها وأن هناك عقل يسوقه ويتحكَّم فيه كل التحكُّم وجعله مثل كائن لا عقل له ولا مشاعر والدليل انه لم يخاف من موته . وهذا ما حدث لآدم تماماً في عدم مبالاة آدم بموته .. فلا يوجد إنسان لا يحب حياته إلا لو كان مجنوناً أو انه كان سُبِيَ سبياً .

وكما أخبرنا القديس بولس أن أي إنسان وُلِدَ في العبودية صار بنفس الحالة التي كان فيها آدم وهو انه لا يعرف ماذا يفعل لأن هناك ناموساً آخر law يحارب ناموس ذهنه وهذا الناموس هو القوة الحاكمة التي بدأت تسوق الإنسان .. وهذا كله لأن الإنسان خُلِقَ ليصير عضواً في الله أي خلق الله الإنسان بطبيعة أي  عضو  وهذا حتى يستوطن الإنسان في الله ويصير عضواً فيه إذا أرد هذا ، وبعد ذلك سيصير الله مصدر حياته والعقل الذي يسوقه وهذا إذا أطاع الإنسان الله أي قَبِلَ أن يتمِّم مشيئته ويعيش الهدف الذي خلقه الله من اجله .. فحينئذٍ سيبدأ يصير الله هو الرأس الذي يسوقه ويصير الله إلهه لأنه رفض إطاعة مشيئة ذاته أي رفض عبادة ذاته ، فيبدأ يصلي ويتصل بالله فسيبدأ يشبع بالله وبهذا لن يحيا بالجسد بعد ولن يتحرَّك بناءاً على مشيئة ذاته لأن الله صار الرأس التي تُحرِّكه .

ولكن لم يخلق الله آدم هكذا في الحال عضواً فيه ولكن وضع الله الإنسان في أول الأمر في كيان ترابي له ذات حتى يصير له مُطلَق الحرية في أن يختار أي كيان يريد أن يستوطن فيه ليحيا ويتحرَّك ويوجد به . فإما أن يحيا بالجسد الذي وضعه الله فيه ليصير الجسد  مصدر حياته  ويأخذ أوامره من ذاته وينفِّذ مشيئة ذاته ، وإما أن ينكر ذاته ويعيش الهدف الذي خلقه الله من أجله فيصير الله هو  عقله  الذي يسوقه فيبدأ يتصل بالله فيصير الله مصدر حياته وبهذا تتوفر شروط عضويته في الله مثل أي عضو يحيا ويتحرك ويوجد بالكيان المستوطن فيه .. وهذا كله يصير لو بدأ آدم يطيع الله فكان سَيُسبَى سبياً من الله الذي سيكون عقله الذي يحرِّكه .

ولكن لأن آدم بدأ يطيع مشيئة ذاته ففي الحال صارت ذاته هي العقل الذي يحرِّكه ويسوقه وصار تحت عبوديتها وسبيها ، ولأن الإنسان خُلِقَ بطبيعة العضو فإنه لمجرد انه اختار الإله الذي يسوقه بطاعته له سيصير تحت عبوديته وسياق وتحكُّم ذاته وحواء وتجعله ذاته وحواء يفعل ما لا يريد كما حدث لآدم و كما كان القديس بولس يصرخ من هذه العبودية ويقول "إني مبيع تحت الخطية ولا أفعل ما أريده" (رو7: 14) . فإن كان آدم يوم أن خُلِقَ كالعضو أي كان يحتاج لكيان يستوطن فيه ويحتاج لعقل يسوقه لأنه كالعضو .. وبعد ذلك باختياره لهذا الكيان فسيجعله هذا الكيان [سواء الله .. أو جسده أو ذاته] لا رأي له ولا مشيئة له لأنه عضو فيه أي سيُتَمِّم أوامر الكيان المستوطن فيه . فإن الإنسان وُلِدَ وخُلِقَ يحتاج لعقل يسوقه .. ويحتاج لمصدر حياة يحيا به ، وكان كل اشتياق قلب الله أن يحيا الإنسان بالله أي يُساق من عقل الله ويحيا به مثلما سيكون في السماء لا يوجد أي مصدر حياة آخر سوى الله ، و هكذا كل الآباء القديسين والسواح . وهذا سيصير لو أنكر الإنسان ذاته ورفض أن يحيا بالجسد ويقوت الجسد وهذا بجهاد طويل .

وهذا ما جاء الله ليعلِّمنا إياه وهو الطريق "للحرية من العبودية التي وُلِدنا فيها" وللحياة وللكمال ، أي الطريق للهدف الذي خلقنا الله من أجله وهو أن نصير صورة له ومثاله . و عندما خلق الله آدم وضعه في جسد يمكنه أن يحيا بالطعام ووضع له ذات تفكِّر وهذا حتى يجعل أمام آدم الاختيار : إما أن يقبَل أن يصير عضواً في الله أي يعيش الهدف الذي خلقه الله من أجله ، وإما أن يرفض أن يحيا بالله .. فيعيش حسب الجسد أي يكون الجسد مصدر حياته وذاته هي العقل الذي يسوقه . لكن لو قَبِلَ آدم أو أي إنسان أن يصير عضواً في الله ليضمن التمتع الكامل إلى الأبد بالله .. كان على آدم وعلى كل إنسان أن يرفض مشيئة ذاته ويبدأ يتصل بالله .. فكان في هذا الوقت سيكون كأنه رفض عبادة ذاته أي رفض أن يُساق من ذاته ، و عندما يتصل بالله بالصلاة سيمتلئ من الله وسيشبع من الله فسيكون الله مصدر حياته . أي عندما يبدأ الإنسان يُقلِّل من الاعتماد على الجسد كمصدر حياة بالصوم الدائم والصلاة سيبدأ يشبع بالله ، وطالما الروح بدأت تشبع سيبدأ يقِلّ احتياج الجسد للطعام لأن العقل والجسد و الروح كيان واحد فلو شبع أي جزء سيشبع باقي كيان الإنسان .

ولكن آدم اختار أن يطيع ذاته فصار عبداً لذاته وأطاع حواء فصار عبداً لحواء فصارت ذاته وحواء هي الرأس التي تسوقه لهذا صار كالعضو الذي لا رأي له ولا مشيئة لهذا ساقت حواء آدم بلا تفكير وصار رهن إشارتها وكأن حواء أَمَرَت آدم أن يهلك ويموت معها فأطاعها دون نقاش وصار كالآلة التي لا عقل لها ولا احساس حتى إنه لم يبالي بموته ولم يبالي بالله الإله الحقيقي . وهذا هو الذي لم يفكِّر فيه الكثيرون ، ولكن هذه هي العبودية التي أصل الخراب التي كان سببها أن الله خلق الإنسان ليصير عضواً فيه أي خلقه بطبيعة أي عضو أي يحتاج لعقل يسوقه وكيان يحيا به . وأعطى الله للإنسان الحرية المطلقة .. فبمجرد أن يطيع الإنسان أي كيان يصير رهن إشارته لأنه سيصير كالعضو الذي لا عقل له ولا مشيئة بل يخضع خضوعاً كاملاً لهذا الكيان الذي أطاعه كما حدث لآدم عندما أطاع حواء و عندما أطاع جسده بعد ذلك فتغيَّرت طبيعته تماماً عن الطبيعة التي خلقه الله فيها وهي طبيعة العبودية التي وُلِدنا فيها ، ولكن أخبرنا الرب الطريق للحرية منها حتى لا نعود نُستَعبَد بعد ونفعل الخطية ، لنُولَد من الماء ونعود لصورة آدم الأول وهذا الطريق هو التغصُّب والاستمرار في عدم إطاعة الجسد في أي شيء يهواه وبهذا سيبطل الجسد الخطية ولا نعود نُستَعبَد أيضاً .

ولكن اختار آدم أن يطيع ذاته فصار عبداً لذاتِه وأطاع حواء فصار عبداً لحواء فصارت ذاته وحواء هي الرأس التي تسوقه لهذا صار كالعضو الذي لا رأي له ولا مشيئة لهذا ساقت حواء آدم بلا تفكير وصار رهن إشارتها وكأن حواء أَمَرَت آدم أن يهلك ويموت معها فأطاعها دون نقاش وصار كالآلة التي لا عقل لها ولا احساس حتى إنه لم يبالي بموته ولم يبالي بالله الإله الحقيقي . وهذا هو الذي لم يفكِّر فيه الكثيرون ، ولكن هذه هي العبودية التي فتح الله ذهن كل مَن سأل عليها .

فقد أخبرني الرب أن سبب أصل الخراب هو أن الله خلق الإنسان ليصير عضواً فيه أي خلقه بطبيعة أي عضو أي يحتاج لعقل يسوقه .. و أيضاً مصدر حياة يحيا به أي كيان يحيا به وهذا يتحدَّد بحرية الإنسان وهذا يصير بإطاعة الإنسان لأي شيء .. ففي الحال سيصير كالعضو فيه كما حدث لآدم عندما أعطى لنفسه الثمرة فصار كائناً آخر غير الذي خلقه الله .

فليتنا نستطيع الآن أن ندرك ما هو سرّ جهاد القديسين عشرات السنوات في جهاد حتى الدم ، وهذا لأنهم أبصروا وأدركوا المرض وخطورته وهو عبوديتهم لجسدهم ولذاتهم وأدركوا تعليم الرب لنا عن الطريق للحرية من هذه العبودية المريرة وأدركوا وصاروا في يقين أن الجهاد حتى الدم هو الطريق الوحيد للقيامة وهذا بأن يموت الإنسان بشِبه موت الرب . والذي قدَّر قيمة الله سيقول "من أجلك نُمات كل النهار" ، ولكن السبب في عدم الجهاد هو عدم إدراك الإنسان خطورة العبودية وعدم تقديره لقيمة الله :

فلماذا يصلب الإنسان جسده ويُقمِعَه ويستعبده ؟! ومن أجل أي شيء ؟!!! فإن الله لا قيمة له في حياته .. لكن الذي طلب من الرب أن يُبصِر سيُبصِر كل شيء وسيعرف أن آدم وقع تحت سبي عبودية لأنه أطاع ذاته وجسده ، والتحرر من هذه العبودية يكون بالتوقف عن طاعة الجسد في أي شيء يهواه ويشتهيه أي نجاهد الطريق الكرب الذي جاء الله وجاهده بنفسه فكما أخبرنا الكتاب "إن كنا قد صرنا متحدين معه بشِبه موته سنصير أيضاً في قيامته ، عالِمِين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلِبَ معه  لكي يبطُل جسد الخطية   كي لا نعود  نُستَعبَد أيضاً " (رو6: 5) . فلم يقل الكتاب : لكي تُرفَع خطايانا . لأن المشكلة ليسا خطايانا بل أصل المرض وهو العبودية التي نتيجتها أننا نخطئ كل حين ، فنحن مثل إنسان أُصِيب في عقله بفيروس فبدأ يحطِّم الأثاث . فماذا نعتقد أننا يجب أن نفعله لنحِلّ هذه المشكلة ؟! هل نسعى أن نُحضِر أثاث جديد بدلاً من الذي تحطَّم ؟!! لكن هذا الإنسان سيُحطِّمه أيضاً !!! فكان يجب أن نفكِّر في علاج أصل المرض الذي يجعل هذا الإنسان يحطِّم الأثاث وهذا بأن نُعالِج هذا الإنسان . هكذا فإن عبوديتنا هي أصل المرض الذي يجعلنا نخطئ كل حين وتجعل الخطية حاضرة عندنا ..فهل حلّ المشكلة أننا كلما نخطئ نذهب ونعترف ونتناول ؟!! فإننا بذلك سنموت بأصل المرض وهو العبودية ولن نصِل إلى الهدف ؟! فمتى إذن سنصل للكمال و إلى صورة الله أو نصير حتى أعضاء في الله ؟!!

لأنه كيف لإنسان مازال يخطئ يصير عضواً في الله القدوس؟!! فهل يمكن أن يصير جزءاً من الله غير نقي؟!

فكان على كل إنسان أن يفكِّر في التحرر من عبوديته أولا حتى لا يخطئ بعد لأن المولود من الله لا يخطئ ولا يستطيع أن يخطئ (1يو5: 18).

 

 لأن الذي حفظ كل الناموس وأخطأ في واحدة يصير مجرماً في الكل  (يع2: 10)

وكان الله يقصد انه طالما أخطأ أي إنسان فهو مازال تحت العبودية ، فلا يقدر إذن أن يصير عضواً في الله لأن مَن يفعل الخطية هو يفعل التعدِّي أيضاً (1يو3: 4) . ولكن هدف الله لكل إنسان هو أن يكون ابناً له لأن الابن يُشبِه أباه والابن هو المولود من الله وهو الذي لا يخطئ لأن زرعه يَثبُت فيه (1يو3: 9) . والله يريدنا أن نصير مشابهين لصورة ابنه وصورة له وهذا يصير عندما نصير أعضاء فيه وهذا لو تحرر الإنسان تماماً من أي عبودية وبهذا لن يخطئ أبداً فيستطيع أن يصير عضواً في الله وهذه هي الولادة من الماء ، ثم نسعى أن نُولَد من الروح .وه لو جاهد الإنسان في الطريق الكرب الذي هو وحده يميت أصل المرض لأن الإنسان فيه [في جهاده في الطريق الكرب] يصلب الجسد أي يتوقف عن عبادته وهذا هو العلاج من العبودية لأنه كما إن القاعدة تقول "أنتم عبيد للذي تطيعونه" أي أن الإنسان يصير عبداً في الحال لأي كيان يطيعه بل ويصير تحت سبيه الكامل وتحكمه كما حدث لآدم عندما أطاع ذاته و حواء فصار تحت عبوديتهما ورهن إشارتهما حتى إنه صار كيان لا عقل له ولا إحساس أيضاً كما أخبرنا القديس بولس أنه لا يعرف ماذا يفعل . وهذا لو جاهد الإنسان في الطريق الكرب الذي هو وحده يميت أصل المرض ، لأن الإنسان فيه يصلب الجسد أي يتوقف عن عبادته ، وهذا هو العلاج من أصل المرض لأنه كما أن القاعدة تقول "انتم عبيد للذي تطيعونه" (رو6: 16) أي أن الإنسان يصير عبداً وتحت سبي كامل للشيء الذي يطيعه كما صار آدم تحت عبودية حواء لمجرد انه أطاعها حتى انه لم يبالي بموته .. هكذا فإن التوقف عن إطاعة الجسد أي صلبه في أي شيء يهواه ويشتهيه فهو بذلك يوماً بعد يوم يبطل الجسد الخطية أي يبطل مفعول هذه العبودية ، وهذا ما جاء الله في الجسد لكي يعلمنا إياه بنفسه عندما جاهد 33 عاماً ليؤكد لنا إنه بهذا نخلُص وقال "أنا أعطيتكم مثالاً فكما صنعت أنا تصنعون انتم أيضاً" (يوحنا13: 15) . وهذا هو الطريق الكرب الذي وحده يصل بالإنسان للحياة كما أوصانا الرب "ما أضيق الباب !! وما أكرب الطريق !! الذي يؤدي إلى الحياة" (متى7: 14) . هكذا فإن الرب أخبرنا وأرانا أن التوقف عن طاعة الجسد بصلبه في أي شيء يهواه ويشتهيه هذه هي خطوات الطريق للعلاج أي العلاج من أصل المرض وهي العبودية حتى يموت إنساننا الخارجي ويبطل الجسد الخطية أيضاً هكذا مكتوب "إن كان إنساننا الخارجي يفنى فالداخل يتجدد يوماً بعد يوم" وهذا ما جاء الله وعلّمنا إياه بنفسه بأنه جاهد 33 عاماً ليؤكد لنا أننا بهذا نخلُص وقال "كما صنعت أنا تصنعون انتم أيضاً فأنا أعطيتكم مثالاً" (يو13) هذا هو الطريق الكرب الذي هو وحده يصل بنا للحياة لأن الله تجسد لهدفين : الهدف الأول .. هو أن يعلّمنا الطريق أي العمل الأول الذي جاء يرينا إياه استغرق 33 عاماً .. أما الهدف الثاني وهو الفداء أي رفع خطية الإنسان [الذي بدأ يجاهد بشِبه جهاد الرب أي بشِبه موته] فهذا العمل استغرق يوماً واحداً لعلنا ندرك أهمية العمل الأول وهو موت أصل المرض .

 لأن الله كل يوم يقرع على قلب كل إنسان ويقول "ليكن نور"(تك1: 3)  فالذي فتح قلبه سيدخل النور "فكان نور" فسيُبصِر كل شيء وسيعرف أن الله يستحق كل جهاد وأن حياتنا كالبخار الذي سيضمَحِلّ في لحظات و أن حياتنا كالنفخة وأن الله أعطانا حياة لنحدِّد فيها ومن خلالها مصير أبدي لانهاية له ، فيالها من خسارة لمَن لم يجاهد للوصول إلى الله فإنه هناك سيندم ندم لا رجعة فيه 

لأنه ماذا يستفيد الإنسان لو ربح العالم كله .. وخسر نفسه ..!!!

غير أن هناك شيئاً هاماً جداً وهو أن الرب يقول

.. كل شجرة لا تأتي بثمر تُقطَع وتُلقى في النار!!!   

وكان الرب يقصد هنا ثمر الروح .. أي مَن لا يثمر ثمر الروح فهذا معناه انه لم يمتلئ من روح الله بعد .. إذن .. ما فائدة وجوده في هذه الحياة وهذا كان قصد الله من أن الشجرة تُقطَع ، لأنه حتى لو لم يفعل الإنسان أي خطية أي لم يفعل السلبيات فهو عبد بطَّال كالشجرة البطالة التي لم تأتي بثمر فهي لم تعيش الهدف الذي خلقها الله من أجله .. إذن هي لم تطيع الله أي لم تعبده لهذا لم تمتلئ من روح الله لهذا لم تثمر ثمر الله كالعذارى الجاهلات ، لهذا لم يدخلن مع الرب حتى لو كانوا عذارى أي أواني نقية فارغة نظيفة ، فهذه مرحلة .. وكان بالفعل يجب أن يصل إليها الإنسان أولاً ، لكن كان يجب أن يعرف الإنسان أن هذه المرحلة ليست الهدف .. أي ليس الهدف هو رفع خطايانا حتى نصير أنقياء كالشجرة الخضراء ، لكن خلقنا الله لكي نمتلئ منه ولم يخلقنا لكي نصير فارغين ولو حتى أنقياء كالعذارى الجاهلات .. ولكن ما الفائدة فهم كانوا غير ممتلئين من الله . فما الفائدة ..؟! سنظل بطَّالين كالشجرة التي بلا ثمر .. أي إن لم نعيش الهدف الذي خلقنا الله من أجله .. لأن الذي امتلأ بالروح أي وُلِدَ من الله صار عضواً وجزءاً منه لهذا ستكون كل أعماله من الله معمولة لهذا لن يخطئ أبداً ، وهذه هي الصورة التي خلق الله الإنسان ليكون عليها حتى يضمن التمتع الكامل بالله ، وسيصير صورة الله حينئذٍ عندما يصير عضواً فيه.

وهناك شيئاً هاماً جداً أن الرب ليس فقط قال "كل شجرة لا تأتي بثمر تُقطع" بل قال :

.. كل شجرة لا تصنع .. ثمراً .. جيداً .. تُقطَع وتُلقى في النار!!!   (مت3: 10 ، 7: 19 ، لو3: 9 )

أي أن الرب يريد من كل إنسان بل ويشتاق أيضاً ليس فقط أن يأتي بثمر عادي بل ثمراً جيداً  أي ليس فقط أن نصل لليوم الرابع .. أي أن نقوم فحسب ونبدأ نُولَد من الروح فقط ونُولَد بالفعل منه فقط أي نمتلئ منه .

بل أوصانا الرب أن  نمتلئ كل الملء منه  .. وهذه هي صورة الله التي خلق الله الإنسان ليصير عليها وليكون عليها وهذا عندما يملأ الإنسان هيكل الله أي نفسه من الله كل الملء وهذا إذا داوم على الاتصال بالله طوال حياته ، وبالطبع بعد أن عبر المرحلة الأولى وهي التحرر من العبودية أي بعد أن عاد لصورة آدم . فاليوم الرابع والخامس والسادس هي مراحل النمو في الروح بعد أن تنقّى هيكل الله بالماء واغتسل ووُلِدَ من الماء وقام من الأموات في اليوم السادس بدأ بالفعل الطريق للكمال فبدأ اليوم الرابع وبدأ بالفعل يأتي بثمر الروح لأنه بدأ يمتلئ بالفعل من روح الله بعد أن صار عضواً في الله ، ولكن ليست هذه هي الصورة التي تُرضي الله وهي ثمر الروح العادي أي أيّ ثمر ، بل إن الله طالبنا بثمر جيد وهذا يأتي ويصير عندما يمتلئ الإنسان كل ملء الله  (أف3) والأعجب من كل هذا بل والأمر الذي يخيف كل مَن هو في الحق وصارت له البصيرة أن الرب يقول أن الذي لا يأتي بالثمر الجيد يُقطَع أي الذي لم يصير عضواً في الله يحيا ويتحرك ويوجَد بالله فهذا معناه انه مازال عبداً وقد أوصانا وأخبرنا الرب أيضاً عن هذه الحالة وصيته التي تخيفنا أيضاً عندما قال "مَن حفظ كل الناموس وأخطأ في واحدة فقد صار مجرماً في الكل" لأن الذي مازال يخطئ هو مازال عبداً أي لم يصير عضواً في الله بعد أي لم يُولَد بعد لأن المولود من الله لا يخطئ .

فليتنا نستيقظ على الحق وعلى الحقيقة وهي الصورة التي خلق الله الإنسان ليصير عليها وهي صورة الكمال أي كمال الامتلاء من الله وهي أن نشابه صورته عندما كان على الأرض لأنه جاء ليرينا هذه الصورة بنفسه وهو بنفس طبيعتنا الضعيفة مشابهاً إياناً في كل شيء بكل أمانة . وهذه الصورة عندما أدركها القديس بولس قال "أسعى لعلّي أدرك" أي أدرك أن الوصول لصورة الله وهي قامة ملء المسيح نفسه ليس بالأمر السهل ولكن أدرك أيضاً انه لا يمكن لله كلي الحكمة أن يلزمنا ويطالبنا بشيء إلا لو كان أعطانا كل نعمة لكي نصل إلى هذا الكمال أي كمال الامتلاء منه ، فكيف يأمرنا أيضاً ويقول "كونوا كاملين" إلا لو كان قد أعطانا ما نحتاجه فهذان هما الدينارين والسمكتين كما هو مكتوب "قدرته الإلهية وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى .. لكي نصير بها شركاء الطبيعة الإلهية" (2بط1: 4) لأنه لا يوجد ملك حكيم يأمر إنسان أن يبني برجاً إلا لو كان قد اعطاه كل ما يحتاجه وإلا سيصير طلبه تعجيزاً ، فليتنا نستيقظ أيضاً على هذه الحقيقة لأننا عندما نذهب إليه سنتأكد أن الله عادل وهو كان قد أعطى كل إنسان هذه النعمة التي تصل بكل إنسان لصورته وهي صورة الله كما وصل إليها ايليا و يوحنا المعمدان والسيدة العذراء ، لأنه كيف و لماذا يفرِّق الله بين عدم وعدم لأننا في الحقيقة كنا عدم ، ولكن استطاع رئيس العالم أن يقنع الناس أن كل القديسين مختارين أي أنهم طائفة مختلفة عن البشر ، فليتنا نتذكر موسى الأسود ومريم المصرية وشاول الطرسوسي وأفدوكيا الذين كانوا في منتهى الشر ووصلوا إلى أعلى درجات القداسة لأنهم ساروا في الطريق الذي يصل بين الله وبين الإنسان مهما كان في أي حالة . وهذا ما أوصانا الرب إياه "اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق .. لأنه ما أضيق الباب وأكرب الطريق المؤدي للحياة" . فالذي يقارن جهاد بضعة ساعات [وهو حياتنا على الأرض] بالتمتع الدائم مع الله إلى أبد الآبدين سيجد انه لا شيء .. أي أن كل آلام هذا الزمان الحاضر لا شيء .. أي لا تُقاس بالمجد العتيد الذي سنخسره إن لم نسلك كما سلك الله بنفسه وجاء بنفسه وجاهد بنفسه .

فلم يقول القديس بولس "أسعى .. [[لكي  to ]] .. أدرك" بل قال "أسعى  لعلّي  أُدرِك" (في3: 13)

"I follow after,  if  إذا that I  may  apprehend"                  =  ربما / لعلّ

لأنه أبصر جيداً كَمْ هو ضيق الباب الذي يبدأ الطريق الكرب وأدرك أنه  ما أضيقه  ، فإن محبة المال وجاذبية المال تجعل الباب مثل ثقب ابرة أمام الجمل الذي يحمل أشياء كثيرة وهو الإنسان المولود في عبودية أي في جوع كامل للعالم وينجذب لكل شيء في العالم فهو هكذا يكون كالجمل الذي يحمل أشياء كثيرة مع أن الباب المؤدي للحياة الذي يبدأ به الطريق الكرب مثل ثقب الابرة ، وعلى كل إنسان أن يختار : إما أن يترك كل هذه الأشياء المنجذب إليها والتي يحملها كالجمل ليمكنه المرور من الباب ليستطيع أيضاً أن يبدأ يسير في الطريق الكرب للوصول لله ، وإما أن يستمر في الباطل أي في الجوع الذي وُلِدَ فيه .. وهذا يتوقف على تقدير كل إنسان لقيمة الله بالنسبة له.

لذلك فإن موت عبادة الذات وإنكارها تماماً هو الطريق الوحيد للعودة في الله ليكون الله هو الرأس للإنسان وهذا يكون بالتوقف عن إطاعة الجسد في أي شيء يهواه ويشتهيه والتوقف عن طاعة الذات كما هو مكتوب "الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" .

وهذه هي خطوة لابد أن يسبقها خطوة هامة جداً وبدونها لا يقدر إنسان أن يَقبَل أن لا ينفّذ مشيئته وهذه الخطوة هي الجهاد الكامل في صلب الجسد ليولَد الروح وينمو شيئاً فشيئاً حتى عن طريق روح الله يصير الإنسان في الحق فيدرك كل الحق وهو أن ذاته هي شيء وهم ، وبروح الله يصير لديه القدرة على قبول مشيئة الله مثل أي إنسان ناضج أُصيب بسرطان في جسمه فهو سيَقبَل أن يُمسِك الطبيب سكيناً ويقطع هذا السرطان ، وفي وسط الآلام الرهيبة سينكر ذاته ويقبَل مشيئة الطبيب لأنه صار له النضوج الكافي لإدراك الحقيقة أن هذا الطبيب يريد خلاصه ، فعندما يقبَل مشيئة الطبيب وينكر ذاته سيَخلُص . فبدون هذه الخطوة لا يقدر إنسان أن يَقبَل أن لا ينفّذ مشيئته كما أن الرجل الذي فتح فتحة في الفلك ودخل الماء إلى فلكه وأدى إلى انجراف الماء وارتطامه به وكسر عظامه ، فإن الهدف الذي يجب أن يسعى إليه هو غلق الفتحة التي سببت كل هذا الخراب .. لكن لكي يتمم هذه الخطوة عليه أن يتعافى أولاً من كسر عظامه ليكون لديه  القدرة  التي تمكّنه وتجعله يقف على رجليه ثم يذهب ويغلق هذه الفتحة بل الهوة التي أدت إلى كل هذا الخراب الذي حدث له ولكل بيته .. هكذا فإن ذات الإنسان هي التي جعلته يسعى ويطيع كائنات أخرى وآلهة أخرى كثيرة لهذا فإن موت وفناء هذا الخراب يجب أن يكون الشغل الشاغل لكل إنسان مولود بالجسد .

إذن .. لكي نقوم من  الأموات  أي لكي نتحرر من كل العبوديات التي صرنا تحتها لابد أن نبدأ أولاً في موت الجسد وهذا بعدم طاعته ، ومن هنا تبدأ الحياة تَدُبّ فينا وهذا يكون في اليوم الثاني الذي تبدأ الحياة فيه لأن الرب يحيينا بعد يومين ، وبعد ذلك وبعد أن نعرف الرب بروح الله الذي بدأ يوجَد فينا ستبدأ تصير لنا القوة والإدراك والبصيرة أيضاً التي تجعلنا نقبل [ونحن في كامل الاقتناع] أنه ليس من الحكمة أن نظل في الوهم وهو عبادة الذات وأن نرفض الوجود في الله الذي هو  الحق نفسه  فنخسر الوجود الدائم معه إلى الأبد في الحياة الحقيقية التي هي في الأبدية وهذا لأجل حياة باطلة أي غير حقيقية .. فقط نريد .. فقط نطلب لأنه وَعَدَ كل مَن يسأل يأخذ وكل مَن يطلب يجد وكل مَن يقرع يُفتَح له .

إذن .. إنكار الذات هو أن يصل الإنسان للحالة التي فيها لا يشاء أي شيء من هذا العالم إلا الله وحده . أي إن إنكار الذات هو أن يعيش الإنسان حسب مشيئة الله ولا يكون له أي مشيئة خاصة . أي إن إنكار الذات هو الوسيلة الوحيدة للعودة في الله والاستيطان فيه وأن يصير الله هو الرأس بالنسبة للإنسان . أي إن إنكار الذات لا يتم إلا  بروح الله  نفسه الذي يوجد في الإنسان ويجعله يصير في الحق وبهذا سيصير للإنسان  القدرة  على أن يرفض أن يستمر في عبادته لذاته ويقبل ويكون مقتنعاً بأن هذا هو الحق لأن روح الله جعله في  نضوج  كامل وجعل له  البصيرة  الكاملة حتى يرفض الباطل والاستمرار في الوهم كما هو مكتوب 'بالإيمان موسى لما  كَبُرَ  أبى أن يُدعى ابن ابنة فرعون' (عب11: 24) .

فإن خطوات الطريق التي تؤدي للحياة وللحرية جاء الله بنفسه وعاشها .. وقد ظهر الرب لكثيرين هذه الأيام وقال لهم

أنا هو الطريق الحقيقي .. أي .. أن الحياة التي عِشتَها أنا وهي أنني عشت مماتاً في الجسد في تغصُّب كامل في الصوم والصلاة ليس لأني كنت أحتاج إلى هذا لأني أنا الإله الخالق فأنا لم أكن أحتاج إلى القيامة من الأموات بل لكي أعلّمكم .. فأنا قد جئت لخلاصكم بأنني علمتكم كيف تخلصون وكيف يكون الطريق للخلاص . فإني قد جئت لهدفين : الهدف الأول هو موتي من أجل الذين يسعون أن يعودوا فيَّ حتى تستطيعوا أن تُوفوا العدل الإلهي الذي يقتضي أن تموتوا في كل خطية أي تصيروا في عذاب أبدي ، ولكني لم أمت إلا عن الذي بدأ يسعى بالحق أن يعود فيَّ أي أن يقبل أن يعيش الغرض الذي خلقت الإنسان من أجله . والطريق للعودة فيَّ أنا قد جئت لكي أعيشه لأعطيكم  مثالاً  وهذا هو الهدف الأول من تجسدي . لأنني لو جئت ونزلت على الأرض كإنسان لمدة أيام كي أُصلَب وأموت فلن يكون هذا العمل متصفاً بالحكمة على الإطلاق . لأنه كان لابد أن أُعلّمكم وأُؤكد لكم أنني سوف أموت فقط عن الذين يسعون أن يتمموا مشيئتي وهذا كان واضحاً جداً في كلامي بأن موتي عن كل إنسان كان  مشروطاً ومرهوناً  على أن يموت الإنسان معي وهذا يكون بعدم طاعة الجسد تماماً في أي شيء يطلبه لأن هذا هو الطريق الوحيد للعودة إليّ لأنه الطريق الوحيد للتحرر من عبودية الجسد بالتوقف عن طاعته وهذا الجهاد هو الذي سوف يؤدي لبداية تواجدي بروحي في الإنسان ، وبروحي سوف يبدأ يصير للإنسان النضوج الكافي والبصيرة الكافية والقدرة الكافية لكي يدرك الحق كله حتى يبدأ الإنسان يقبل مشيئتي ويرفض مشيئته الخاصة به وبهذا تموت عبودية الذات التي هي أساس خراب الإنسان . لهذا كان واضحاً جداً موتي وفدائي انه كان مشروطاً فقط لمَن يسير في الطريق الذي عشته أنا عندما كتبت في كتابي هذا الشرط الذي يقول 'إن كنا قد متنا معه وصرنا متحدين معه بشِبه موته فقط حينئذٍ سنصير أيضاً في قيامته' أي انه لكي يتمم الإنسان مشيئة الله لابد أن يعيش حسب مشيئة الله ، ولأنكم صرتم عبيد تحت ناموس ذات وجسد وصرتم مستوطنين استيطان كامل في كيان يفعل بكم ما يريده هو لهذا فعندما يريد الإنسان أن يعود فيّ كان لابد من جهاد بطريقة معينة والسير في الطريق معين لكي يستطيع أن يتحرر من هذا السبي ، وهذا ما جئت أنا بنفسي لأعلّمكم إياه ، لهذا فإن حياتي العملية كإنسان مرتبطة ارتباط كامل بموتي كإله أي أنني كنت أريد أن أُؤكد لكم انه لكي يستفيد أي إنسان من الفداء لابد أن يعيش كما عشت أنا كإنسان..........

 

 فأنا هو الطريق  للحياة وأنا هو  الباب  الذي يُخرِج أي إنسان من موته للحياة فأنا هو الباب كإنسان و كإله : فكإنسان .. بأنني أريتكم كيف يتم الخلاص والنجاة ، وأنا هو باب النجاة كإله .. بأني سوف أموت عن كل إنسان بدأ يحيا كما عشت أنا فبهذا سوف أخلّصه لهذا قلت 'أنا هو الباب إن دخل بي أحد فيدخل ويخرج ويجد المرعى' .

فالذي يريد أن يصل إليّ .. لابد أن يسلك كما سلكت أنا تماماً فلا يستطيع أحد أن يضع أساساً آخر إلا الذي وضعته أنا وهو حياتي أنا ..

فأنا فقط هو  الطريق  أي أن حياتي كإنسان هي فقط الطريق

الوحيد للخلاص وللنجاة وللحياة .

ولا تنسوا شيئاً هاماً جداً : أن الفداء كان لا يحتاج أن أعيش 30 عاماً في جهاد كامل في الصوم والصلاة وخصوصاً انه مكتوب عني عندما كنت صبياً عندما شابهتكم في كل شيء أني كنت أنمو وأتقوّى بالروح وبالطبع هذا مضاد تماماً للفداء الذي كان يحتاج إلى إنسان كامل أي إنسان كامل الامتلاء من الروح حتى يصير فداؤه كافي للعالم كله ولكل الأزمنة . فكيف يُعقَل أن آتي أنا وأُولَد كإنسان غير ممتلئ و عندما أجاهد في الصلاة والصوم كنت أنمو وأتقوَّى شيئاً فشيئاً ؟!! فلماذا كل هذا .. فماذا تعتقدون؟!! فإن كان تجسدي فقط للفداء : فما علاقة حياتي الأولى كإنسان 30 عاماً وخصوصاً أنني كنت غير ممتلئ وغير قوي بالروح ؟!! فكيف هذا و لماذا ؟!!!! ولكن قد أفصحت عن هذا السبب بالمكتوب عني أنني 'عشت مماتاً في الجسد تاركاً لكم مثالاً لكي تتبعوا أنتم أيضاً خطواتي' فأين إذن كلامي في حياتكم العملية ؟! فهل الآن أنتم تسلكون مثلما كنت أسلك أنا لأني أنا عِشتُ كمثال حيّ !! فكيف صارت لكم عيون لا تبصر إلى هذا الحد وكيف وصلت غباوة الإنسان إلى هذا الحد .. ؟!!!

فلمَن كنت أصوم ولمَن كنت أصلي ؟! وإن لم تفعلوا مثلي : فما فائدة تجسدي إذن ؟! هل تعتقدون أنكم بدون أن تموتوا معي سوف تقومون وتحيون ؟!! فأنا كالماء الحيّ الذي نزل في الأرض لكي يعلّم البذرة كيف تحيا عندما تفعل هي أيضاً مثلي وتُدفَن في باطن الأرض فحينئذٍ في هذه الحالة فقط أبدأ أُحييها .. فكيف لا تفهمون ذلك .. !!! فالبذرة التي لم تُدفَن لن تستفيد إذن من موتي أنا ودفني أنا ونزولي تحت الأرض . أليس هذا الكلام قد قلته لكم !! أم لكم عيون لا تبصر إلى هذا الحد ؟!! كيف لا تفهمون أنكم لو ظللتم تطيعون الجسد في أي شيء يطلبه ويهواه فإنكم بذلك مازلتم عبيد له  فأنتم إذن لم تبدءوا بعد  لأنكم لم تدخلوا من الباب بعد لأنكم لم تسلكوا كما سلكت أنا وعلّمتُكُم بنفسي .. فالنتيجة أنني بروحي لم أبدأ أُولَد وأسكن فيكم لأنكم مازلتم تعبدون آلهة أخرى بإطاعتكم لها .. إذن .. لن تبصروا الحق .. إذن .. فلن تقبلوا مشيئتي وتظلوا تتذمرون في أي صليب أسمح به لكم وبهذا سترفضون مشيئتي وتظلوا تتذمرون على أي ضيق وبذلك سوف  تستمرون عبيد لذواتكم  .. إذن .. لن يموت سلطان الذات و عبودية الذات بعد .. إذن .. سيظل أصل الخراب موجوداً وتلك الفتحة التي فُتِحَت في فُلك الإنسان الذي بعدم حكمة فتح هذه الفتحة فسيظل الماء متسرباً في فلكه وبذلك فإن خرابه يزداد كل يوم . فإلى متى لا تفهمون كلامي ولم تفهموا القضية وقصة الحياة والمرض الذي انتم مولودون به ولذلك لم تفهموا العلاج وقصة خلاصكم وبذلك ستظلون مرضى !!

فإن الطريق للعودة لله و الطريق للكمال و الطريق الذي يجعل الإنسان يحيا الهدف الذي خلقه الله من أجله لكي يضمن التمتع بالله إلى الأبد لابد أن يتم على خطوات . فأي إنسان وُلِدَ كالعضو المستوطن استيطان كامل في جسد به عقل يحرّك الإنسان كيفما يشاء وهذا هو سبب جوعه الكامل اللانهائي الذي صار فيه الإنسان بسبب انه لم يمتلئ من الله ولأن عقله وقلبه خلقهما الله كفجوات لانهاية لها في الاتساع كي تسع الله الغير محدود . ولكن بسبب عدم امتلاؤه بالله بسبب عدم رغبة الإنسان في ذلك فهو بذلك بدأ يطيع مشيئته لهذا بدأ الخراب من هنا . وإطاعة الإنسان لذاته جعلته في عبودية ذاته التي جعلته يعبد آلهة أخرى ، ولكي يعود الإنسان سليماً ومُعافى كصورة آدم يوم أن وُلِدَ .. فإن خطوات الطريق هي كالتالي :

 اليوم الأول  .. يريد الإنسان أن يعود لله ويقبل هذا كما أرانا الرب في أول يوم عندما كتب لنا أن الأرض كانت خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة (تك1) وهذه هي حالة كل مَن وُلِدَ بالجسد . لكن الله يسعى كل يوم ويقرع على كل قلب ويقول "ليكن نور" (تك1: 3) ، هكذا أيضاً مكتوب أن الله الذي قال أن يُشرِق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح (2كو4: 6) . فالذي يريد سوف يطلب من الله وهذا سيكون بمثابة إنسان فتح باب بيته فدخل النور ، لهذا مكتوب "فكان النور" (تك1: 3) وهذا هو فتح الذهن الذي يعمله الرب مع كل نفس أرادت كما هو مكتوب "سيكون الجميع متعلمين من الله" (يو6: 45) كما ساق الرب شاول الطرسوسي وموسى الأسود ومريم المصرية .

 وفي اليوم الثاني  هو جهاد الإنسان الذي أدرك الطريق وأدرك انه لابد من توقفه عن الاستمرار في عبادة جسده لأنه أدرك بالنور وبالبصيرة التي جعلها الله له أن أي إطاعة للجسد في أي شيء يهواه هو استمرار في عبادته لجسده ، وأدرك الإنسان بروح الله أن الله نفسه جاء وعاش الطريق وانه هو الراعي الصالح ومَن يريد أن يدخل المرعى يسير وراء الراعي . و عندما يبدأ الإنسان يصلب جسده مع الأهواء والشهوات كما أوصانا الرب وبدأ يقمع جسده ويستعبده وبدأ يموت بشِبه موت الرب أي كما علّمه الرب نفسه سيبدأ  أولاً  يبطل جسد الخطية أي تبدأ تقلّ قوة العبودية واستعباد الجسد للإنسان ،  ثانياً  سيبدأ روح الله يُولَد ويوجد ويسكن فيه ويبدأ ينمو شيئاً فشيئاً ، وبروح الله سيبدأ يدرك كَم انه كان في الباطل وأن أصل الخراب الذي صار فيه هو بسبب إطاعة الإنسان لمشيئته التي هي تجعله يطيع ويعبد جسده ويطيع ويعبد الناس ويعبد رئيس العالم . لهذا فبعد أن بدأ روح الله ينمو فيه وبعد أن نضج الإنسان روحياً .

فإن  اليوم الثالث  هو قبول الإنسان أي صليب أو ضيق من الرب كما علّمنا الرب بنفسه بعد جهاد 33 عاماً انه قال كإنسان "أما أنا فمستعد للسياط ووجعي مقابلي" (مز38: 17) وهذا الكلام يقوله إنسان أدرك كل القضية والأمر كله وأدرك أصل المرض وكيف صار ، وأدرك العلاج وهو الطريق الذي هو حياة الرب العملية ، وأدرك لماذا قَبِلَ الرب كإنسان كل الإهانات واللطم والعُريّ والبصق الذي لم يكن له علاقة بالفداء ، وأدرك لماذا وهو صبي كان ينمو ويقوّى بالروح ويجاهد في الصلاة وهذا ليس له علاقة بالفداء ، فأدرك أن الله جاء ليعلّمنا  الطريق  للنجاة وللحرية كيف يكون ، وأدرك أن الطريق يتم بخطوات متتالية وأن الطريق كله مرحلتان أول مرحلة لابد أن يعود الإنسان مُعافى وحراً من العبودية أي يولَد من الماء أي يعود يحيا بلا خطية ، وهذا يصير بأن يموت أصل المرض وهذا يصير بتوقف الإنسان عن طاعة مشيئته أي إنكار الإنسان لذاته وهذه هي الخطوة التالية التي تصير بعد أن امتلأ الإنسان بروح الله وهذه هي ثاني خطوة في ثاني يوم في الطريق في المرحلة الأولى ، والامتلاء هذا صار بجهاد الإنسان في صلب جسده فترة من الزمان كما علّمنا المعلم بنفسه . وهذا كله صار بعبور الإنسان أول خطوة وهي إرادته وفتحه لباب قلبه فدخل الرب بنوره وأنار له الطريق فرآه لأن الرب أنار له ظلمة قلبه ، فعندما رأى الطريق سار فيه كما سار المجوس وأتوا حيث كان الصبي الذي كان مع أمه أي وجودوا الرب كمثل مَن وجد منجم ذهب أي أصل الذهب أي المكان الذي يضمن انه سيصير غنياً للأبد أي أن الإنسان عرف وأدرك كل الطريق الذي يؤدي به إلى الصورة التي خلقنا الله لكي نكون فيها وهي  صورة الله  نفسه وهي قياس قامة ملء المسيح أي صورة المسيح عندما كان بالجسد أي صورة الله عندما تجسد فصار إنساناً له صورة الله أي بنفس طباع الله . وجاء الله ليرينا بنفسه كيف نصير في هذه الصورة ونحن في هذا الضعف الإنساني البشري لهذا شابهنا في كل شيء ليؤكد لنا أننا نستطيع ونحن في هذا الجسد الترابي أن نصير صورة لله أي نصير مثل المسيح تماماً وإلا لصار الله كاذباً عندما أمرنا أن نكون كاملين وأن نمتلئ إلى كل ملء الله وأن نصل إلى إنسان كامل الذي هو نفس قياس قامة ملء المسيح عندما كان إنساناً و عندما أخذ نفس طبيعتنا .

إذن .. الطريق للكمال لكل مَن وُلِدَ مستوطنا في الجسد هو :

1- يريد الإنسان إرادة حقيقية فيفتح ذهنه كما حدث في أول يوم أي صار نور له .

2- يبدأ الإنسان يصوم صيام حقيقي كما عاش كل القديسون ، فيبدأ روح الله يوجَد فيه ، و يوماً بعد يوم سيبدأ يبطل جسد الخطية أي تبدأ تقلّ قوة العبودية شيئاً فشيئاً وسيبدأ ينضج الإنسان ويدرك ويشعر بالله بروح الله الذي بدأ ينمو فيه . وكل يوم يصلب جسده ويتناول من جسد الرب سيتحد بجسد الرب المصلوب فسيموت الرب عنه لأنه صار واحداً في جسد الرب فكأنه هو الذي ميت . وبهذه الخطة ستنتقل خطاياه للرب لأن الرب عادل وعدله كامل فكان لا يمكن أن يموت الله عن إنسان مازال يعبد جسده وذاته وكان لا يمكن أن يترك الإنسان هكذا يموت لهذا وجد أن الحل الوحيد لاستمرار عدله ومحبته لاستمرار كماله يظل كما هو أن يجعل من نفسه إنساناً ويموت حتى مَن أراد أن يتحرر من عبوديته ليستوطن في الرب بدأ يصلب جسده أي بدأ يتوقف عن عبادة الإله الذي وُلِدَ يعبده ليُظهِر لله صدق إرادته ، وبهذا سيكون هذا الاتحاد بجسد الرب المائت كأن الإنسان هو نفسه الذي مات ، وبهذا يُوفِي العدل الإلهي لأن بصلب الإنسان لجسده سيتحد بجسد الرب وسيصير معه وفيه جسد واحد ، ولأن المسيح ميتاً سيكون الإنسان كأنه ميت وسيصير هذا بمثابة موت الإنسان عن خطاياه فسيوفي العدل الإلهي. و يوماً بعد يوم سيبدأ يدرك الإنسان أصل المرض وهو عبودية الذات .

3- فعندما يسمح الله له بأي ضيق يرفض أن يتذمر أو يتفوّه بأي كلمة ويتذلل ولا يفتح فاه ، وفي هذه اللحظة ستموت عبودية ذاته لأنه كما بإطاعة الإنسان لذاته صار عبداً لذاته ، هكذا بعدم إطاعة الإنسان لمشيئته يموت أصل المرض وهو عبودية ذاته ويبطل سلطانها وسبيها وتحكمها . و يوماً بعد يوم كما حدث في اليوم الثالث تخرج المياه من الغمر وتظهر اليابسة (تك1: 9) وهي القمح الذي للرب أي قمحه الذي يعود إلى مخزنه (مت3: 12) وهي روحه التي خرجت منه . وبعد أن خرج منها سلطان الذات و الجسد وهما الجديان اللذان ذبحتهما رفقة (تك27: 9) .. يستطيع الإنسان أن يتحرر من سلطان جسده ، فحينئذٍ يموت الذي كان مُمسَكاً فيه (رو7: 6) ويبطل جسد الخطية (رو6: 6) لأنه اتحد بشِبه موت الرب فترة طويلة لذلك فإن إنسانه العتيق قد صُلِبَ مع الرب لذلك بَطُلَ جسد الخطية أي بطل مفعول وسلطان وسبي وتحكم الذات والجسد فلن يعود الإنسان مستعبداً منهما بعد وبهذا يستطيع أن يبدأ يصير عضواً في الله . وهنا يقوم الإنسان في اليوم الثالث مع الله كما قام المسيح و كما خرجت النباتات في نهاية اليوم الثالث ورأى الله أن ذلك حسنٌ بعد أن ظهرت اليابسة (تك1: 10و12) . وهنا يصير الإنسان مولود من الماء تماماً لذلك يستطيع أن يبدأ يسلك بالروح أي يبدأ يصير الله شبع عقله وجسده وقلبه وهذه هي الحالة والنقطة التي هرب فيها كل القديسون عندما لم يعودوا في عبودية بعد لعاطفتهم ولجسدهم لهذا استطاعوا فقط في هذه اللحظة أن يهربوا ويتركوا أهلهم وقصورهم و العالم كله لأنهم إن لم يكونوا قد وصلوا للصفر كان لا يمكن ويستحيل على شباب بل صبية مثل إيلارية ومكسيموس ودوماديوس أن يهربوا إلى الجبال والمغاير وشقوق الأرض لولا انه مات الذي كانوا مُمسَكين فيه تماماً ولما استطاعوا أن يهربوا ، ولولا انهم وجدوا شبع أكثر بكثير و أكثر بلا مقارنة مما كان لهم لنا استطاعوا أن يتركوا هذا العالم ، ولولا أن العالم كله صار بالنسبة لهم نفاية وأدركوا أن كل ما لديهم من عاطفة بشرية وذات وكل ما يُرَى هو كعلبة المجوهرات وأن الله يمتحنهم بها وأدركوا أن كل العالم هو سراب وكقبض الريح لهذا لم يقبلوا أن يتركوا الله من أجل سراب ووهم وحلم ويرفضوا التمتع بالله إلى الأبد لهذا صاروا أحكم الحكماء . فلولا النور لما استطاع إنسان في صحراء مظلمة أن يتحرك أو يخطو خطوة واحدة أي لولا عمل الله مع الإنسان لما استطاع أن يقبل أن يقاوم طبيعته وهذا كما قال الرب : لا يستطيع أحد أن يُقبِل إليّ إلا لو أُعطيَ من فوق من الآب (يو6: 44) .

والآن كل إنسان مُقدَّم إليه الكمال أي كمال المتعة بالله وكمال الامتلاء منه وهذا بجهاد كامل وحتى الدم لكن في سبيل حياة أبدية . وأمام كل إنسان الاختيار : إما أن يظل يعبد وَهْمْ وشيء باطل وإله ليس حقيقي ، وبعد لحظات يقف أمام الله وسيجد أنه خسر كل شيء ، وإما أن يبدأ يطلب أن يعود في الله والله سوف يعلّمه كل شيء . فمَن يسمع فليقل تعال ومَن يُرِد فليأتِ ليأخذ ماء حياة مجاناً ، ومَن له أذنان للسمع فليسمع .

فكان اشتراط الرب واضح جداً لكل مَن يريد أن يعود في الله أي يعيش الغرض الذي خلقه الله من أجله عندما قال "مَن أراد أن يتبعني فلينكر ذاته .. وهذا بأن يحمل صليبه كل يوم" (لو9: 23) . فإن كثيرون مل يفهموا هذا الشرط لأنهم لم يفهموا أصل المرض ولم يفهموا القضية كلها ولم يكن الأمر واضحاً أمامهم لأنهم لم يسألوا لهذا لم يفتحوا للرب لهذا لم يدخل النور حياتهم لهذا لم يروا الطريق الحقيقي لهذا لم يصلوا للكمال أو حتى لم يصل كثيرون لأي صورة من صور القداسة أو حتى صور الامتلاء من الروح والدليل على هذا انه الآن لا نرى أي ثمر من ثمار الروح لأن الله روح لو سكن في الإنسان لكان الناس الآن تنير بنور المسيح وصاروا خلاصاً إلى كل الأرض . فإن أول ثمر من ثمار الروح هو  المحبة  أي نتيجة امتلاء أي نفس من روح الله أنها كانت ستصطبغ بصورة الله و بطبيعته وكانت طبيعته ستكون وتتصف بالمحبة الحقيقية التي تحتمل كل شيء وتصبر على كل شيء و كما أوصانا الرب "تمموا فرحي حتى تفتكروا فكراً واحداً وتكون لكم محبة واحدة بنفس واحدة مفتكرين شيئاً واحداً ، .. ولا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه بل ما هو للآخرين" (في2: 2) أي لا ينظر الإنسان ما يريده هو بل ما يريده أخاه وهذه هي صورة إنسان صار نكرة . وصورة إنكار الذات أوضحها لنا الرب عندما كان على الأرض كمثالي عملي لصورة إنسان يسعى للكمال ويسعى أن يعيش الهدف الذي خلقه الله من أجله وهو مثال للطريق الذي كان يجب أن نسيره ويسيره كل مَن يريد بالحق أن يعود في الله لهذا عاش المسيح  مماتاً في الجسد  وكان في وسط كما الإهانات والتعيير الذي سمح به الرب لنفسه ليرينا أننا بهذا نخلُص وهذا بخطة الخلاص التي رتبها لنا الله وهذا عندما سمح بأي ضيق أو إهانة ونرفض مشيئتنا سيموت حينئذٍ سلطان وعبودية الذات ، وهذه هي خطة الخلاص . ويجب أن تكون كل نفس مثل شاه تُساق للذبح ومثل نعجة صامتة أمام جازّيها .. ويتذلل ولا يفتح فاه . فعلّمنا الرب انه بهذا يتحرر الإنسان من عبودية الذات ، وهذه الخطة تصير عندما يكون الإنسان امتلأ فترة من روح الله وهذا صار باستمرار صلب جسده .

فروح الله عندما يولَد في الإنسان يستطيع الإنسان به أن يشعر بالله ويبدأ يعرفه.

وروح الله يجعل الإنسان في نضوج روحي وفهم كامل لكل المرض الذي فيه وبصيرة كاملة للطريق أي للعلاج الذي يحتاجه لكي يخلُص .

وروح الله يجعل الإنسان يقبل أن يبدأ يصلب جسده ويقمع جسده ويتجلّد ويجاهد في الصوم والصلاة ويتغصّب على أن يسير هذا الطريق.

وروح الله يجعل للإنسان المقدرة على احتمال كل ألم لأنه صار في يقين كامل انه بهذا يخلُص

فروح الله هو الله الذي به نستطيع كل شيء .

فإن كل جسد الإنسان بكل حواسه وكل عقله وكل قلبه وكل ما أُعطِيَ للإنسان من كل الغنى والظروف المحيطة بالإنسان قد أُعطِيَت للإنسان ليمتحن الله به الإنسان .. مثل علبة المجوهرات التي أعطاها الملك لكل عبيده ليعرف مَن هو الذي يحبه بالحق فيقبل أن يترك هذه المجوهرات ويُعِيدها للملك مع أن الملك سوف يأخذها في جميع الأحوال ، هكذا فكل ما لدينا من مال أو مركز أو عقل وحتى كل حواس الإنسان قد أعطاها الله للإنسان .. لكي يعمل ويتمم بها خطة كاملة الحكمة ليمتحنه بها ويختبره : هل يقبَل أن يترك هذه الأشياء لأجل الله أَم لا؟! فوضع مثلاً حاسة التذوّق بها يتمتع جسد الإنسان بطعام شهي ، لكن إذا أراد الإنسان أن يكون عضواً في الله فسيكون أمامه إما أن يقبَل أن يُضحِّي بالتمتع الجسدي الذي كان يجده في الطعام .. أَم لا . لأن إطاعة الجسد في أي شيء هي عبادة له "أنتم عبيد للذي تطيعونه" (رو6: 16) . فكان لابد أن يعمل الله هذه الأشياء وإلا فكيف سيمتحن الإنسان ؟! و هذا حتى يرى الله ماذا سيترك الإنسان لأجل الله .. مثل الملك الذي وضع في يد عبيده علبة المجوهرات الغالية جداً وأنزل وصيته وهي أن كل مَن يريد أن يصير ابنه ويرث المُلك من بعده عليه أن يُعِيد له علبة المجوهرات بكامل إرادته ليصير أمام الإنسان الاختيار حتى مَن يريد الملك يترك هذه المجوهرات ليُظهِر صِدق إرادته وكأنه قد ضحَّى بشيء ثمين مع أن هذه المجوهرات ليست له وسوف تؤخَذ أيضاً منه !! هكذا أعطى الله بعض الناس أن يصيروا ملوكاً عظماء في هذا العالم الفاني ، لكن هناك ملوك استيقظوا على الحقيقة أن كل ما لديهم من مال وكل حواسهم وحتى عاطفتهم البشرية .. كلها عطية قد أعطاها الله لهم ليمتحنهم بها وسوف تزول هذه الأشياء بانتهاء فرصة وجودهم في هذه الحياة التي ستعبر مثل عصف الريح ومثل إنسان في قطار سيعبر ويذهب إلى مدينة الملك في فترة قصيرة . فقد استيقظ القديسون على هذه الحقيقة التي هي أنهم كانوا عدم وأعطاهم الله هذا الوجود فقط ليصيروا أعضاء فيه وأن فترة وجودهم على الأرض هي كلحظات وهي الفرصة المُعطاة لهم ليحددوا بها مصير أبدي لا ينتهي ليتمتعوا به كل المتعة فكان لابد أن يمتحن الله كل نفس بأنه جعل نفس الإنسان في جسد وهذا الجسد إن لم يمتلئ من الله سيصير في جوع ، فجعل في العالم أشياء يتمتع الجسد بها ويجد لذة فيها .. حتى مَن يريد أن يذهب إلى الله يجد أمامه قوة جذب من هذه الأشياء لجسده ومن جسده لهذه الأشياء . لأن الإنسان يولَد بالجسد عبد أي في جوع شديد للعالم و للأشياء التي في هذا العالم لأن الإنسان عقل وقلب وجسد وكل كيان يطلب أن يشبع بشيء يختلف عن الآخر ، فوضع الله حاسة التذوق مثلاً في الجسد التي تجد متعتها في الطعام الشهي ولكن كان يجب أن نفهم أن الله لم يخلق الطعام والثمار الشهية حتى يتمتع الجسد بها ، ولم يخلق حاسة اللمس حتى يتمتع الإنسان بها عن طريق الشبع عن طريق كيان آخر ، ولكن جعل الله كل هذا حتى عندما يطلب الإنسان الرب ويطلب مِنّا الرب أن نقمع جسدنا ونصلبه ونميته لنستطيع أن نكون أعضاء فيه نجد أمامنا شهوة الجسد هذه أي قوة انجذاب الجسد هذا أي المتعة التي يجدها في الطعام الشهي تكون بمثابة قوة جذب قوية وإغراء شديد ، فحكمة الله الكاملة جعلت الأمر هكذا حتى إذا أردنا الله وقَبِلنا أن نذهب للرب وبدأنا نصلب جسدنا فكأننا نُضحِّي بشيء كبير كأننا سنتركه لأجل الله حتى نُظهِر صدق إرادتنا في أننا نريد الله ومن أجله تركنا أشياء كبيرة وجاهدنا جهاد عظيم ، وهذا  ما فعله كل القديسون لأنهم أدركوا حقيقة الأمر والقضية أن الكل باطل وكقبض الريح ، وكيف يساوموا الوجود الدائم مع الله من أجل تمتع يوم لذة أي تمتع لحظات بشيء فاني مع أنه في الحقيقة ليس تمتع . ولكن هذا يُقال لأُناس لم يذوقوا الرب بعد لهذا نطلق على التمتع الجسدي مصطلح تمتع مع انه في الحقيقة موت وهلاك . و هكذا أيضاً بالنسبة لجوع القلب الذي لم يمتلئ بعد بالله سيكون الإنسان منجذباً بالطبيعة البشرية لإنسان آخر وتكون قوة الجذب هذه قوية وشديدة طالما لم يشبع الإنسان بعد بالله بالقدر الكافي حتى بعد أنه بدأ يتصل بالله ويسلك في الطريق لكن طالما لم يشبع من الله شبع كامل سيجد أن الصراع مازال موجوداً من قوة جذب الطعام والعاطفة البشرية والمجد والمال ورأي الناس وسمعة الإنسان وكرامته التي أيضاً كانت تشبع العقل الفارغ الذي لم يكن ممتلئاً من الله بعد . ولكن الذي بدأ يسلك في الحق أدرك أن الله وضع كل هذه الحواس في الجسد من حاسة التذوق والنظر واللمس ، و الطبيعة البشرية بعاطفتها بهذا الشكل التي هي تطلب أن تشبع من إنسان آخر ، و طبيعة العقل التي تطلب مجد العالم .. حتى يمتحنه الرب بكل قوة جذب العالم بكل ما فيه الذي يجذب كل جزء في الإنسان من عقله وقلبه وجسده . ولكن الذي بدأ يسلك في الحق وطلب من الرب أن يعود إليه سيفتح الله ذهنه على الحق كله والذي هو : أن حياتنا هذه في هذه الدنيا ستعبر مثل البخار وهي فترة اختيار للإنسان وفترة اختبار . فهكذا أعطى الرب بعض الناس غنى وسلطان كالقديسين الذين كانوا ملوكاً [لأن الله بعلمه السابق كان يعرف أنهم سيطلبونه] وهذا حتى عندما يريدون الرب ويطلبونه يجدون أمامهم قوة جذب العالم كله بقوة أشدّ بسبب المال والمجد حتى عندما يتركون كل هذه الأشياء كأنهم قد ضحُّوا بشيء غالي جداً من أجل الرب ، ولكنهم أدركوا أن كل ما لديهم من مال أو عاطفة قلب بشرية أو جسد بكل حواسه بل وهذا الوجود أيضاً الذين هم فيه .. مثل علبة المجوهرات التي كان الرب قد أعطاها لهم لكي يمتحنهم بها ، وكان كان قد أعطاهم الرب مجد أكثر حتى عندما يتركوا هذا المجد يُحسَب لهم أنهم ضحُّوا بشيء كبير مع أنه في الحقيقة ليس لهم ، ولأنهم سلكوا في الحقيقة والحق أدركوا هذا أي أدركوا أن كل ما للإنسان هو عطية قد أعطاها الرب له ، فهو خطة كاملة الإتقان من الله كامل الحكمة بها يمتحن الإنسان وبها يمجِّده أيضاً عندما يترك هذه الأشياء ويقاوم كل إغراءات وكل قوى الجذب التي في العالم . ولكن بسبب النضوج الروحي الذي صار فيه كل القديسين أدركوا أن حياتهم ستمر مثل البخار بل ربما ستزول في أي لحظة لأن العالم كله باطل وسيعبُر كالريح : فكيف يفضِّلون أن يمشون وراء سراب عن الوجود الدائم مع الله ؟!! أي كيف يرفضون الوجود الدائم مع الله من أجل أمور ستزول اليوم؟!  فأين هي عقولهم؟!  فبهذه الحكمة وبهذا الحق  سلكوا في الحق ورفضوا الباطل  ، لأن الذي مازال بالجسد أي مازال في الوهم والباطل مازال معتقداً أن عقله وهذا الوجود وجسده هم حقيقة وهم أيضاً ملكه ، وهذا ما فعله آدم الذي رفض أن يسلك بالحق لأنه توهّم أنه يستطيع أن يعيش مستقلاً عن الله !! مع أنه لو فكّر في الحقيقة وفي الحق بحكمة لبضعة دقائق سيجد أنه ربما يترك العالم في هذه الدقائق التي كان يفكِّر فيها ، ولأدرك أيضاً أن هذه الحياة وهذا الوجود أعطاه الله للإنسان فقط لكي يعيش له وحتى يصير عضواً في الله لكي يتمتع به فقط .. لهذا أوصانا الرب "لا تنظروا إلى الأشياء التي تُرَى لأنها وقتية" (2كو4: 18 ) ، ولكن يجب أن نكون ناظرين إلى الأشياء التي لا تُرَى التي هي الحق والتي ستدوم إلى الأبد لأن كل شيء يُرَى هو سيزول وهي أشياء وقتية لكي يمتحن الله فقط بها الإنسان ، وهذه هي الحقيقة التي يجب أن نستيقظ عليها . لكن كان لابد أن يعطي الله حرية الإرادة الكاملة للإنسان . ولكن بانتهاء هذا العمر الذي هو الفرصة الوحيدة المُقدَّمة من الله لكل إنسان ليرى من هم الذين يريدون أن يعيشوا له أي يعيشوا الغرض الذي أوجدهم الله من أجله .. سيكون  قد انتهى كل شيء  ، وسيترك الإنسان هذا العالم بكل ما فيه سواء أراد أَم لم يريد .  وربما يتركه الآن وحينئذٍ سيكتشف أنه كان يجري وراء سراب ووهم وباطل بل إنه هو نفسه كان شيئاً باطلاً وغير حقيقياً بل كان مثل علبة المجوهرات التي قُدِّمت له فقبِلها واغترَّ بها وانخدع واعتقد أنها ملكه ولم يكتشف أنه قُدِّمت له حتى يُمتَحن بها أي سيكتشف أن جسده بعقله وقلبه أي الوجود الذي كان فيه كان ليس له بل هو مال قد استخدمه لنفسه لهذا مال ظلم ، فكان يجب أن يفهم هذه الحقيقة من موت أي إنسان آخر عندما كان يموت أمامه . فكان يجب أن يستيقظ على الحقيقة أن كل الأمور التي تحدث في هذه الحياة هي  كالحُلم  سيعبر سريعاً جداً . فإنه لو سأل الرب لكان الرب أيضاً قد فتح له ذهنه أن سبب وجوده في هذا العالم ليس لأجل هذا العالم لأن الرب أوصانا "أنتم لستم من هذا العالم" (يو15: 19) فكان سيدرك أن الله أتى بنا إلى هذه الأرض ليس لأجل هذه الأرض لأنه مكتوب "ليس لنا هاهنا مدينة باقية ولكننا نطلب العتيدة" (عب13: 14). ولكن كان هناك غرض واحد وحيد من وجودنا في هذه الحياة وهو أن نعيش الغرض الذي خلق الله الإنسان من أجله وهو الحياة التي ستكون في السماء وهي أن نحيا له هو فقط .

وهكذا وُلِدنا نحن الآن بالجسد أي عبيد لجسدنا ولذاتنا ، وهيكل الله صار متسخاً جداً بسبب عبوديتنا لجسدنا ولذاتنا التي تجعلنا نفعل الخطية كل لحظة بل تجبرنا وتسبينا لفعل الشر الذي حتى لو أدركنا أنه يغضب الله وإننا لا نريد أن نفعله لكن ناموس الجسد أي طبيعته التي صارت كإله يستعبدنا يحارب ناموس ذهننا [أي طبيعة إرادتنا الحقيقية ورغبتنا في أن نعود إلى الله وأننا لا نريد أن نغضبه] ويجعلنا بل يجبرنا على أن نفعل الشر الذي صرنا نبغضه لأننا أدركنا أنه يفصلنا عن الله ، كل هذا لأن طبيعة آدم قد تغيّرت تماماً عندما بدأ يطيع نفسه و حواء وجسده فصار تحت عبودية هذه الكيانات ، ولكننا لو سألنا الله سيفتح الله ذهننا ويُرينا كيف نتحرر من هذه العبودية . فإن ما فعله آدم كان يبدو صغيراً وقليلاً ، لكن أرانا الرب كَم أن هذا العمل الصغير به دخلت الخطية للعالم كله وبهذه الخطية دخل الموت .. وهكذا اجتاز الموت في جميع الناس .. لعلنا ندرك أنه بعدم محبة الله وعدم الاتصال به يصير فينا جوع .. وهذا الجوع هو الذي جعل الإنسان يسعى لسد جوعه .. أي بدأ الإنسان ينفَّذ مشيئته .. وهذه هي أول نقطة سقوط للإنسان أي بداية الخراب والموت الذي صار للجنس البشري .. لأنه بهذا هو أطاع نفسه فصار عبداً لذاته لأن عقله امتلأ من مشيئته لأن الله جعل قضية الإنسان أنه يصير عبدا للشيء الذي يطيعه، وعندما امتلأ قلب آدم بحواء صار عبداً لها أيضاً و عندما أطاع جسده في أقل القليل صار عبداً لجسده ولكن هذه العبودية صارت مريرة لأن الإنسان استوطن بالكامل بكل كيانه في الجسد لأن طبيعة الإنسان خلقها الله مثل عضو ويحتاج هذا العضو إلى كيان يستوطن فيه وهذا بإطاعته لهذا الكيان ، وبعد ذلك فإن هذا الكيان سيكون هو الإله أي الرأس التي تحرّكه وتفعل بالإنسان ما لا يريده وتجعله أيضاً لا يعرف ماذا يفعل لأن هذا الكيان الذي هو الجسد الذي أطاعه آدم صار هو المتحكم الذي يسبي الإنسان سبياً . و هكذا طبيعة الإنسان التي خلقها الله لأن الله أراد الإنسان أن يصير عضواً فيه وهذا إذا أطاع آدم الله فكان الله سيصير الكيان الذي يستوطن فيه وكان سيصير مصدر الحياة لآدم والرأس التي تحرّكه . لكن صار لآدم إله يسبيه سبياً وهو الجسد والذات والناس و رئيس العالم وهذا لأن آدم أطاع كل هؤلاء ، وصار للإنسان آلهة ليست بالطبيعة آلهة كما أخبرنا الكتاب (غل4: 8) . لهذا كانت خطية آدم مجموعة خطايا : فهو صار عبداً وفي عبودية مرة وجعل الله معه أي استعبد الله معه لأن الإنسان هو وجسده وهيكل روح الله شيئاً واحداً وكيان لا يتجزأ ، لهذا كانت خطية آدم عظيمة جداً ولم يكن ينفع أن يطلب آدم الرحمة أو أن يسامحه الله ولا يستطيع أن يقول للرب "أين رحمتك؟!" ، فلم تكن رحمة الله تنفع لخلاص آدم :

q أولاً .. لأن هيكل روح الله قد اتسخ بالفعل لأنه دخل فيه مشيئة آدم و حواء وشهوة جسده ، فكان لابد أن ينظفه آدم أولاً .

q ثانياً .. أجرة الخطية التي فعلها آدم هي الموت حسب عدل الله فكان يجب أن يموت آدم موتاً فعلياً عمّا فعله و أيضاً يموت في كل خطية بدأ يعملها بسبب العبودية التي صار هو فيها ، فلا يمكن أن تلغي رحمة الله عدله .

q ثالثاً .. صار آدم عبداً وتغيّرت طبيعته تماماً لأنه صار كالعضو في كيان قوي يستعبده ويسبيه سبي كامل كما أخبرنا القديس بولس وقال "أما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية ، إذ لست أعرف ما أنا أفعله وصرت لا أفعل ما أريده بل ما أُبغِضه إياه أفعل ، ويحي أنا الإنسان الشقي مَن ينقذني من جسد هذا الموت" (رو7) . ولكي يتحرر الإنسان من هذه العبودية المريرة يستوجب على آدم أن يعمل أعمال كثيرة ويسير في طريق كرب طويل جداً يبدأ بباب ضيق جداً وما أضيقه !! وهو التوقف عن طاعة جسده أي صلبه فترة طويلة من الزمن حتى يبطل جسد الخطية هذا أي تموت هذه العبودية وهذا الناموس وتموت هذه القوة الحاكمة وهي ناموس الجسد Law أي القوة التي تسبي الإنسان سبياً كاملاً ، لأنه إن كان بإطاعة الجسد صار الإنسان عبداً له فبالتوقف عن طاعة الجسد في أهواءه وشهواته يتحرر من عبوديته . وهذا هو خلاصة الطريق و الكتاب المقدس كله أي أن الله كل سعيه الكامل أن يدرك الإنسان الطريق أي الطريقة التي يعود بها الإنسان لصورته الأولى التي خلق الله الإنسان عليها ، بعد أن صار عبداً وبسبب هذه العبودية هذه يفعل الشر كل حين . وهذه الحرية تصير له بالتوقف عن طاعة جسده لأنه .. كما أنه بإطاعة الشيء يصير الإنسان عبداً له .. فبالتوقف عن هذا الشيء يتحرر الإنسان من عبوديته .

q رابعاً .. لو سامحه الله هكذا .. فهو بذلك سيكون غير عادل أي سيلغي عدله وبذلك لن يكون الله كامل لأن كماله هو أنه كامل الرحمة والحكمة والعدل ، و أيضاً لو سامح الله آدم فهو كأن الله ألغى جزء من طبيعته لأنه ألغى عدله أي كأنه سيلغي نفسه .. وهذا لا يمكن أن يكون أو يصير .. أن لا يوجَد الله .

ومثل أب أسرة قتل وسرق ففي الحال قُبِضَ عليه ونُفِّذت فيه عدالة القانون والقضاء نزل عليه في الحال بالحكم والتنفيذ وهو أن يُسجَن في السجن سنوات عديدة . فإنه بهذا العمل شرَّد أسرة كاملة لأنه مرتبط بها وليس هو كيان مستقل بمفرده ، فارتباطه بهذه الأسرة جعل هذه الأسرة تتشرد وتتعذب أيضاً وتلاقي جوع وضياع لأن جزء منها قد استُعبِد ، فإذا ندم رب الأسرة وبكى وطلب الرحمة من زوجته وطلب أن تسامحه فمهما كانت زوجته أقدس إنسانة ولم تغضب منه بسبب محبتها الخالصة له .. لكن ما فائدة محبتها له ، فستقول له : { أنا مسامحة لك ولن ألومك لكن ما الفائدة من محبتي .. فهناك عدالة وحكم لابد أن يُنفَّذا عليك ثم أننا بالفعل قد تشردنا ، فإن المحبة مازالت هي هي لم تتأثر لكن الآن لا تنفع المحبة شيئاً فهناك قضاء لابد أن ينفَّذ عليك ، فلو كنت نادِماً بالفعل .. أَظهِر صدق ندمك وصدق توبتك بأن  تتحرر أولاً من عبوديتك  .. ثم تبدأ تعمل بكل قوة حتى تعوِّض ما دمَّرته وأتلفته }. ولو بكى هذا الرجل لرجال القضاء وقال لهم : {هل لا توجد شفقة أو رحمة أو إنسانية؟!} فستقول له الحكومة والقضاء : {إننا في منتهى الإنسانية ، لكن هل تريد أن لا يكون عندنا عدل ؟! فأنت بذلك تريد أن تلغي وجود العدالة .. إذن سوف لا تكون هناك حكومة في ذلك الوقت فإن العدل هو جزء من الحكومة وبدون العدل لا تكون هناك حكومة قائمة بل ستُلغَى إذا أُلغِيَ العدل الذي فيها ، لذلك لابد أن تأخذ عقابك وهذا من مصلحة الحكومة والوطن الذي أنت جزء منه ، و أيضاً حتى لا تكرر ما فعلته أيضاً وتكون حذِراً بقية أيام حياتك وأيضاً حتى لا يفعل إنسان آخر ما فعلته أنت ، فهذا من مصلحة الإنسان أن تكون الحكومة هكذا . فإن لم يكن هناك عدل سيفعل كل إنسان إذن ما يريده .. إذن .. تخيل ماذا سيكون حال المجتمع ؟!!! غير أنك قتلت وسرقت بالفعل فلابد أن تأخذ عقاب قتلك وسرقتك حتى لا تتساوى مع مَن لم يقتل لأنك بالفعل شردَّت أسرة ثانية وهي أسرة الإنسان الذي مات هذا بخلاف أسرتك أنت التي تشرَّدت أيضاً ، فإن سجنك وعقوبتك هما أقل .. أقل شيء : لأنه هل تستطيع أن تُعوِّض عن الإنسان الذي قد مات ؟! فهل تستطيع أن تسترد حياته ؟! ..} .

هكذا فإن آدم فعل الكثير والكثير أكثر مما فعله هذا الرجل بكثير جداً لأنه أهان الله وسرق حقه ووسَّخ هيكله واستغله لنفسه وأجبر الله أن يُستَعبَد معه فهو أهلك نفسه [مثل الإنسان الذي شرّد أسرته] وجعل الله مستَعبَداً معه [مثل أسرة الإنسان الذي قتله هذا الرجل] ، فكان العدل الإلهي يستوجب أن يموت آدم ليس موتاً واحداً عن كل خطاياه بل يموت عن كل خطية يفعلها . فكان لا يوجد حل لهذه القضية إلا أن يأتي الله بنفسه ويصير إنساناً .. ليعلمنا : أولاً .. الطريق للحرية من هذه العبودية التي تجعلنا نخطئ كل حين أي يعلّمنا كيف يموت ويُبطَل أصل المرض الذي يجعلنا نخطئ كل حين وهو العبودية التي صرنا تحت سياقها ، وهذا بالتوقف عن طاعة الجسد في أي شيء يهواه ويشتهيه بحكم أنه صار جائعاً جوع لانهائي ، لأن الإنسان بعقله وقلبه وجسده عندما نفخ الله في التراب صار كل جزء فيه من طبيعة الله الأزلية أي صار عقله وقلبه وجسده كل منهم فجوة لانهائية في الاتساع لكي تَسَع الله الغير المحدود ، و عندما لم يمتلئ آدم بالله صار في جوع .. وجوع لانهائي ولو وُضِع العالم كله لن يشبع لأن الله خلقه بصورة لا يجد شبعه إلا فيه هو الغير محدود .

فعندما استُعبِد آدم لجسده ، صار هذا الجسد بكل حواسه في جوع لانهائي ، لهذا صار كل ما يشتهيه هو ضد الله ، لهذا الذي يريد أن يعود لله : أولاً يتحرر من عبوديته وكما أنه صار عبداً لجسده بإطاعته له فالتحرر من هذه العبوديات والقيامة من هذا الموت يصير بأن يبدأ الإنسان ويخطو أول خطوة في الطريق أي المرحلة الأولى وهذا يصير بالتوقف عن طاعة الجسد في أي شيء يهواه ويشتهيه ، لهذا مكتوب "الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات"(غل5: 24) . لهذا طوال فترة عبودية الإنسان لجسده فهو مستمر خاضعاً لسلطانه وسبيه ، لهذا فقد صارت طبيعته الشر حاضراً عنده ، لهذا فكل شهوة من جسده لو أطاعها فالعدل يستوجب أن يموت . فكان الحل الوحيد لهذه القضية أن يأتي الله ويعلمنا الطريق للحرية من هذه العبودية عندما عاش مماتاً بالجسد في أي شيء ، ثم يعلمنا التحرر من عبودية الذات بإنكار الذات لأبعد ما يكون بتسليم كامل لمشيئة الله وقبول أي صليب وأي ظلم وأي إهانة ، وبقبول الإنسان لمشيئة الله ورفضه وصلبه لمشيئة ذاته سيموت بهذا أيضاً سلطان ذاته ، لهذا علمنا المسيح أنه بقبول كل إهانة ولطم وعُريّ والظلم حتى الصليب دون أن يعمل الله شيئاً لأنه بالفعل هو الإله الكامل ولكنه جاء في صورة إنسان ليعلّمنا فقط كيف يتحرر الإنسان أولاً من العبودية بالولادة من الماء ، وهذه هي أول مرحلة وهي العودة لصورة الإنسان الأول ، ثم بعد ذلك علّمنا الرب كيف نصل إلى كل ملء الله ونسير حسب مشيئة الله الآب ، وفيما هو يعلّمنا الطريق لموت الجسد والذات حتى الموت على الصليب [ولأنه هو الإله وهو صورة الإنسان نفسه الذي جاء ليعلّمنا ففي موته كإنسان وإله] فهو :

q  أولاً  علمنا كإنسان كيف نتحرر من العبودية التي هي أصل المرض بالصيام الدائم والصلاة الدائمة ، لأنه إن كانت القاعدة الإلهية تقول : أنه بإطاعة الجسد يصير الإنسان عبداً له [أنتم عبيد للذي تطيعونه] .. فلكي يتحرر الإنسان من هذه العبودية علّمنا الرب بنفسه خطوات الطريق الذي صار أيضاً قاعدة إلهية أخرى بها نستطيع أن نتحرر ، لأن الله هو الطريق .. والحق .. والحياة . فبمعرفة الإنسان للحق وللطريق الذي جاء الرب وأرانا إياه وعاشه بنفسه .. سيتحرر الإنسان فمكتوب "تعرفون الحق والحق يحرركم"(يو8: 32). .. فأرانا أنه لا يوجَد طريق آخر إلا بأن نسير الثلاثة أيام والثلاث خطوات معه لنموت معه في هذه الخطوات ونموت بشِبه موته حتى نصير أيضاً في قيامته أي كما قام المسيح عندما كان يعلّمنا كيف نقوم نحن أيضاً ، وهذا بالتوقف عن طاعة الجسد في أي شيء يهواه ويشتهيه .

أمّا بالنسبة للخطايا التي فعلها الإنسان فيما هو كان مازال في العبودية التي أجرة كل خطية منها موت [ والتي سيظل الإنسان يفعلها طوال المرحلة الأولى ] .. فباتحادنا مع الله المصلوب ، لأن المسيح الذي كان يلعب دور إنسان يسعى إلى الكمال فيما هو يعلّمنا وهو بالفعل هو نفسه الإله ، فهو اتحد كإنسان يريد أن يموت عن طبيعته العتيقة ليقوم ويتحد بالله الذي هو هو نفسه . وبهذا أظهر لنا شرط الاتحاد في لحظة موته في أنه وإن كان هو الإنسان الذي يسعى إلى القيامة والكمال .. كان هو هو نفسه الله ، لهذا عندما اتحد بالله في هذه اللحظة عند موته لأنه هو الله تمم شرط الاتحاد ، لهذا كأنه نقلت خطاياه لله أي أن خطايا هذا الإنسان الذي لم يعرف خطية وصار خطية لأجلنا نُقِلَت لله ، لأن المسيح كان يمثِّل أي يلعب دور إنسان وُلد بالعبودية يريد أن يتحرر فأرانا أنه عندما كان على الصليب ميتاً أنه اتحد بالله لأنه هو نفسه الله فبهذا تمم شرط الاتحاد بالله ، لهذا كانت خطايا هذا الإنسان قد نُقِلَت إلى الله فاستوفي العدل الإلهي . فهو كان مازال يمثل دور إنسان خاطئ يريد أن يتحرر تماماً من كل خطاياه بعد أن استمر صالباً لجسده وذاته سنوات طويلة ، ففي نهاية الأمر قَبِلَ مشيئة الله بتسليم كامل وقَبِل الصليب . فعندما مات أخيراً كان وهو الإنسان الذي يمثل دور الإنسان الخاطئ كان هو الله نفسه ، لهذا فهو أول من تمم شرط الاتحاد بجسد الله المصلوب ، لهذا أرانا بنفسه الطريق للقيامة كيف يصير بعد ذلك لأنه عندما دُفِنَ قام من الأموات لكن هو باكورة الراقدين ، أي لو كان إنساناً عادياً كان سيظل ميتاً وكانت روحه ستصعد لتنتظر يوم الدينونة ، لكنه قام ليؤكد لنا أنه هو الإله وهو الذي جاء ليعلّمنا الطريق .

فعندما دُفِن قام المسيح الذي مازال يمثل دور الإنسان الذي يريد أن يعود عضواً في الله ، لكن كانت رسالته قد انتهت أي دوره كمعلم ليعلّمنا قد انتهى بأنه أرانا كيف نصل لنهاية اليوم الثالث لأنه بعد ذلك بعد أن يصير الإنسان في الله ويعود عضواً فيه سيُعلِّمه الله بنفسه بل سيسوقه الله بنفسه ، لهذا لم يكن الإنسان يحتاج أن يعيش الله المتجسد على الأرض ليعلّمنا كيف نسير اليوم الرابع والخامس بل فقط كان كل هدفه أن نصل لنهاية اليوم الثالث وهو بالقيامة ، وبهذا نكون قد عبرنا أول مرحلة وهي الولادة من الماء أي عاد الإنسان نقيً جداً كما كان آدم ووُلِد من الماء ليكمل الطريق للولادة والامتلاء من الروح عندما يكون عضواً في جسد الرب . وبهذا أرانا أنه بالموت مع الله المتجسد واتحادنا بشِبه موته هو الطريق الوحيد للقيامة من الأموات بل من الموت الذي كنا فيه .

 ثانياً  فيما هو يعلّمنا الطريق للحرية ، ولأنه هو الإنسان الذي يعلمنا هو هو نفسه الإله ، فإن موته يستطيع أن يفدي كل الذين قبله والذين أتوا بعده . لكن أرانا شرط قيامته أي قيامة المسيح الذي هو الله المتجسد الذي جاء يمثل دور الإنسان الذي يريد أن يكون ابناً لله وممتلئ كمال الامتلاء منه ، فأرانا الطريق بصورة واضحة جداً وأعطانا المثال الواضح جداً في أنه كان لابد أن يسلِّم لمشيئة الله تسليم كامل بعد إعداد نفسه بالصوم والصلاة سنوات طوية حتى يصير له الإيمان الكامل بالله وبهذا استطاع أن يقبل هذا الإنسان أي شيء دون تذمر حتى لو صُلِب ظُلماً ، فهو أراد أن يعلّمنا أننا يجب أن نؤمن إيمان كامل بالله أنه ضابط المسكونة وأنه لا يمكن أن يحدث أي شيء إلا بإذنه وأنه المتسلط على كل مملكة الناس والبشر وأنه هو الذي يفعل ما يشاء في جند السماء وسكان الأرض . لهذا علّمنا كإنسان أنه قَبِل مشيئة الله قبولاً بلا نقاش بل بإيمان كامل صار نتيجة معرفة كاملة لله لأن الإيمان هو الثقة بما يُرجَى من الله ، و الإنسان يثق في إنسان آخر ثقة كاملة بعد معرفة كاملة وقوية نتيجة عشرة دامت لسنوات ، لهذا استطاع هذا الإنسان أن يسلِّم تسليم كامل لمشيئة الله ، وبهذا مات سلطات ذاته عليه لأنه قَبِل مشيئة الله تماماً ورفض مشيئة ذاته حتى الصليب أي حتى أنه قبل أشر الآلام الجسدية والنفسية والإهانة أمام الجموع  بالإيمان الكامل  ولولا إيمانه بالله لما استطاع أن يحتمل ، و هذا الإيمان جاء بمعرفة الله سنوات طويلة وجاء بسبب أنه لم يعد في عداوة لله بل عاش في صلح بعدم طاعته لجسده في أي شيء لأن اهتمام الجسد في أي شيء عداوة لله .

و عندما صُلب المسيح كإنسان كان يعلّمنا الطريق للكمال كان هو نفسه الله لهذا اتحد بالله اتحاد كامل ، وبهذا الاتحاد تم خلاص المسيح الذي كان يمثل دور الإنسان الذي يريد أن يتحرر من العبودية التي ولد بها ويريد أن يقوم بالفعل . فباتحاده بالله .. لأنه هو هو نفسه الله .. علمنا بهذا الطريق كحياة عملية أي الطريق للقيامة . لهذا مَن أراد الآن أن يقوم مع المسيح لابد أن يُصلَب معه ، أولاً : يصلب جسده في أول الأمر دائماً كما فعل كل القديسين وبهذا .. أولاً سيكون قد أظهر صدق إرادته في أنه يريد أن يكون لله لأنه لا يمكن أن يعبد الله وهو مازال يعبد جسده لأن إطاعة الجسد في أقل شيء يهواه هي عبادة كما هو مكتوب "أنتم عبيد للذي تطيعونه"(رو6: 16) ، .. ثانياً عندما يكون مصلوباً عندما يتناول جسد الرب أي يتحد جسده المصلوب بجسد الرب وبهذا فيما المسيح ميتاً سيكون كأنه هو أيضاً ميتاً أي سيكون (1) صلبه لجسده و (2) اتحاده بجسد الرب المصلوب الميت في التناول بمثابة موت له بالفعل وبالتالي سيوفي العدل الإلهي . أولاً فتنتقل كل خطاياه للمسيح أولاً بأول ، فيبدأ يولَد من الماء أي يغتسل ويصير نظيفاً فيبدأ يتحرر شيئاً فشيئاً من عبودية جسده أي سيبدأ "يبطل جسد الخطية كي لا يعود يُستَعبَد أيضاً منه فإن كنا قد متنا معه سنحيا أيضاً معه وإن كنا قد صرنا متحدين معه بشِبه موته نصير أيضاً في قيامته عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلِبَ معه ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نستعبد أيضاً للخطية ، لأن الذي مات بالجسد قد تبرأ من الخطية" (رو6). و يوماً بعد يوم سنُولَد تماماً من الماء أي سنعتمد أول معمودية أي سنعود لصورة آدم الأول وهي الصورة النقية وكإناء مهيأ للامتلاء بالله ، سنتحرر من عبودية جسدنا وذاتنا تماماً .

ومع أن المسيح أي الإنسان الذي كان يعلّمنا الطريق للحياة وللكمال هو كان متحداً بالله طوال حياته ، لكن اتحاده كان لكونه هو نفسه الإله ، لكن لا يجب أن نلتفت إليه كإله حتى نفعل مثله بل يجب أن نركِّز فيه كمعلم كإنسان فقط لأن المسيح كان يمثِّل دور إنسان وهو كان الإنسان في نفس الوقت ؛ فعندما كان يقيم الموتى وكان يقول "أنا هو الراعي الصالح وأنا هو خبز الحياة" (يو10: 11، يو6: 48) فهو كان يتكلم كإله وكان يريد أن يؤكد لنا ويقول : أنا ابن الإنسان الذي يعلِّمكم أن هو الإله الخالق حتى تتأكدوا أن هذا هو الطريق الصحيح ، وهذا أكبر تأكيد . فإن الله كان يريد أن يؤكد لنا أنه ليس إنساناً أو نبياً ، فربما هذا لا يجعل الشعب يثق فيه كل الثقة ، لكن الله كان يريد أن نثق الثقة الكاملة في كل ما يعمله هو الصدق والحق لهذا كان يؤكد دائماً أنه هو الإله لكنه كان يؤكد أيضاً أنه أخذ نفس طبيعتنا الضعيفة وكان يصلي كل يوم ويصوم دائماً بل كان مُماتاً في الجسد ليكون القدوة المثالية ولكي نتأكد أنه القدوة الكاملة أكّد أنه هو الله المتجسد . لهذا كان المسيح الإنسان الذي جاء يعلّمنا الطريق وكان يمثل دور إنسان مولود بالعبودية وكان يسعى للتحرر منها ويكون هو نفسه الله . فكان اتحاد هذا الإنسان بالله شيئاً طبيعياً ، لكن على الصليب كان يعلّمنا أن نعمل مثله كإنسان عندما كان متحداً بالله لأنه هو نفسه الله وكان يريدنا أن نركِّز في هذه الخطوة أنه هي الشرط الوحيد حتى تنتقل خطايانا لله بأننا نكون مصلوبين معه . وإن كان المسيح صُلِب بالفعل واحتمل كل أنواع العذاب لكي يرينا الطريق للكمال حتى مَن يريد أن يكون بنفس قامته أي مَن يريد أن يمتلئ إلى كل ملء الله ليصل إلى قياس قامة ملء المسيح يسير في نفس طريقه ، ولكل إنسان مطلق الحرية أن يفعل ما يريد ، فهو قد فتح الطريق لكل إنسان حتى مَن يريد أن يصل للكمال يجد أن الله جاء بنفسه وسار في الطريق للكمال حتى يفعل كما فعل المسيح .

لكن كيف يتم الفداء أي كيف يوفي الإنسان العدل الإلهي ؟!. الذهاب لأعلى الصفحة


وهذا الموضوع يتكون من 100 صفحة 

مَن يريد أن يقرأه فليرسل رسالة بريد إلكتروني ايميل Email على بريد الموقع

way2truelife@gmail.com                                                    way2truelife@yahoo.com

وسوف نرسل له الموضوع كاملاً بنعمة الله .

 

 

التحكم في الصوت

 

الصفحة الرئيسـية المعـجـزة