Make your own free website on Tripod.com
هذه إرادة الله قداستكم

"1 في البدء خلق الله السماوات و الأرض   2 و كانت الأرض خربة و خالية و على وجه الغمر ظلمة و روح الله يرف على وجه المياه   3 و قال الله ليكن نور فكان نور   4 و رأى الله النور انه حسن و فصل الله بين النور و الظلمة    5 و دعا الله النور نهارا و الظلمة دعاها ليلا و كان مساء و كان صباح يوما واحدا" ( تك 1 : 1  – 4 )

منذ البدء يعرف الله كل أولاده بكل مستوياتهم وعلى هذا المقياس جعل الله كل إنسان في الزمن المناسب والمكان والوضع المناسب لأن الأنفس التي خلقها هو يعرفها.

* عندما خلق الله الإنسان بحرية إرادة وحرية كاملة ، جعله إنسان مخير يختار هو ما لنفسه أي طريق يسلكها سواء القداسة أو الشر أو جميع المستويات التي بينهما ، ومن محبته أوصاه كل الوصايا ، وقال له الوصية التي أوصيك بها اليوم ليست عسرة عليك ولا بعيدة منك ، ليست في السماء لتقول من يصعد لأجلنا ويأخذها لنا ويسمعنا إياها لنعمل بها ولا هي عبر البحر لتقول من يَعبُر ليأخذها. "بل الكلمة قريبة منك جداً في فمك وفي قلبك لتعمل بها."          [هذا هو كل ما تعنيه السموات والأرض أي كل المستويات الروحية التي يستطيع الإنسان الوصول إليها قد وضعها الله أمامه ، أو يختار الأرض (وهي كلمة مفردة لم يجمعها الله مثل السماء التي صارت السموات لأنه لا يهم الله أي درجة من درجات الشر ..كلهم سواء…]

* والإرشادات التي وضعها الله لنا لكي نصل للكمال لم يبدأها من الصفر ، بل من تحت الصفر إلى ما لانهاية. أي لم يكتب إرشادات للوصول للكمال لإنسان سوف يبدأ من أول درجة ، بل كُتِبَتْ لإنسان كان أشر ما يتصوره عقل بشري .. فمهما كان الإنسان في شر ويأس وعدم رجاء …لو بدأ مع الله خطوة بخطوة فسوف يصل. كما أقام الله لعازر من الموت بعد أربعة أيام وقد أنتن لأنه هو القيامة والحياة.

+ فقد قِيلَ كانت الأرض خربة من فعل الخطية التي قد أثرت في الإنسان الذي خُلِقَ على صورة الله ومثاله وفق هذه الصورة الجميلة الطاهرة النقية وقدسية هيكله. فيذكِّرنا الكتاب بأن الخطية طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء… لم يقل قتلتهم الخطية لضعفهم بل كانوا أقوياء لكنهم لم يحترزوا لأنفسهم ، وبتدرج الشر في الإنسان يكون خراب وهذه الكلمة تطلق على منزل دمره حريق مثلا أو فيضان ويكون نتيجة لذلك الحريق أنه يُترَك البيت خرابا.

و خالية أي هذه النفس بفعل الخطية لم يبقى فيها شيء من الروح القدس أو عمله أو أي صلاح فالروح القدس كنار إن تُرِكَ فيُطفأ لذلك قال الكتاب المقدس: "لا تطفئوا الروح." ولا يستطيع الإنسان الذي دمرته الخطية أن يفعل الصلاح فهو خالي من مصدر الصلاح ولا يثمر ولا يستطيع لأنه فارغ وليست فيه حياة.

و على وجه الغمر ظلمة   فالله مصدر كل ضوء وهو نور العالم ومن سلك طريق آخر يسير في الظلمة ، والغمر هو اتحاد الماء والأرض بنسبة 50 % لكل ، فهي ليست أرض ولا ماء ، بل وحل أو غمر يُغمَرْ فيها أي شيء ولا نستطيع على هذه الأرض إقامة بناء ولا مشي ولا زراعة.

فهذه هي صورة الإنسان الذي بغباوته ترك الله وبَعُدَ عن الله وطريقه ، فكان لابد له أن يصير أرض خربة وخالية ومظلمة. لكن مثل ارتفاع السموات فوق الأرض قويت رحمته على خائفيه. فمع كل هذه الصورة التي وصل إليها الإنسان لكن "روح الله يرف على وجه المياه" بحنان ترك السموات وعرشه ، وبطهارته وعدله وحكمته لا يستطيع أن يسكن في الأرض لذلك فهو حال بين السماء والأرض. مستعد لمن يناديه ليحوله ويغيره كما غير موسى الأسود ومريم المصرية.

وقال الكتاب أنه "يرفّ على وجه المياه" يقف أمامنا طوال هذه السنين منتظراً منا نظرة كأنه يسأل. كما قال أرميا النبي وهو يتساءل حزين القلب ومتوجع من الله ويقول: "… لماذا تكون كغريب في الأرض و كمسافر يميل ليبيت ، لماذا تكون كانسان قد تحير كجبار لا يستطيع أن يخلص و أنت في وسطنا يا رب و قد دعينا باسمك …" (أر14: 8و9).

فإنه يسأل متعجباً لماذا يرضى الله بهذا الوضع بأن بكون مثل إنسان غريب ملتمس أحداً أن يجعله عنده ضيفاً نزيلا ليبيت ليلته عنده لأنه ليس لديه مأوى "أما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" أي لم يقبله العالم أو أبناءه في قلوبهم (غير أنه فعلا لم يكن له منزلا حقيقياً ليبيت فيه) لذلك يطلب إلينا الرب :" التفتوا إلي و اخلصوا يا جميع أقاصي الأرض .." (أش  45 :  22) فهو منتظر العمر كله وهو ينظر إلينا بحنانه متضرعاً وملتمساً إلينا أن ننظر إليه ، وهو الإله الجبار القادر على كل شيء. لكن خلاصنا لا يأتي إلا بإرادتنا. هذا الخلاص هو إرادة الله الذي يريد أن الجميع يخلصون ، فهو ملك كل الملوك ، الذي تخشاه الملائكة والسماء كلها أمامه غير طاهرة ، رضي أن يكون شبه إنسان يسأل إحسان لأجل خلاصنا.

* وافترض الله هنا أن الأرض الخربة  تريد أن تحيا معه وتبتعد عن الخطية وتعود إلى صورتها الأولى لتحيا في النور ، لأن هذا هو الأمر الطبيعي لأي إنسان عاقل حكيم وجد نفسه بفعل الخطية التي دمرته. وهذا ما يتمناه أبونا السماوي أن نعود إليه ، لذلك يقول لنا: ارجعوا إلي يقول رب الجنود فارجع إليكم (زك  1 :  3) ارجعوا إلي بكل قلوبكم و بالصوم و البكاء و النوح ، و مزقوا قلوبكم لا ثيابكم و ارجعوا إلى الرب إلهكم لأنه رؤوف رحيم بطيء الغضب و كثير الرافة و يندم على الشر (يوئيل 12 : 12و13) ليس علينا إلا أن نريد أن نعود فهو بعد ذلك -كما قال الكتاب المقدس- سوف يقول  ليكن نور  فهو القادر على كل شيء وعلى تبديد الظلام. ونحن لا نستطيع أن نفعل أي شيء كما قال: "…لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئا" (يو15:  5).

وفصل الله بين النور والظلمة. فليس من المفروض أن الإنسان الذي جاء ورجع إلى الرب أن يعود لما كان عليه أو حتى يقف في نفس المكان الذي يذكره بالخطية بل عليه تركه. وفصل هنا معناه أن كل شيء قد قُسِّمْ إلى قسمين في عملية فصل أو انفصال شيء عن شيء. يعني أن يبعد الأول عن الثاني ولا يكونا بعد كما كانوا.            فلا يمكن للقديسة مريم المصرية التائبة بعد توبتها إن ترجع إلى المكان الذي عاشت فيه ، الذي يُذَكِّرها بالخطية… لذلك قال الملاك للوط عندما جاء الملاكان لإنقاذه: "…اهرب لحياتك لا تنظر إلى ورائك  ولا تقف  في كل الدائرة…" (تك 19:  17) وترك لوط سدوم وعمورة لأنها كانت ستحترق.

وقد أوصانا السيد المسيح ، وكذلك تلاميذه:" لا تسلموا على أحد في الطريق." (لو10:  4) أي في طريقنا الروحي لا نسمح لأحد أن يعطلنا ولو خطوة عن الله. فقد قال السيد المسيح للشاب الذي أراد أن يتبعه لكن كان يريد أن يودع أهل بيته أولاً: "ليس أحد يضع يده على المحراث و ينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله." (لو9:  62).

ورأى الله النور أنه حسن. وفرح الله بهذا الخلاص الذي قال عنه الكتاب: "…هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب…" (لو 15: 7). فقد قدم الرب هنا تضحيات كبيرة لرجوع الإنسان لصورته الأولى. أخذ شكل إنسان و عبد وأهين وضُرِب وتُفِل عليه وجُلِد وأُحْصيَ مع أثَمة ، واجتمع عليه عليه كل الكتيبة وعروه وأخيراً صُلِب كالأثَمه. لأنه محبه كما يُذَكِّرنا الكتاب فهو مصدر كل محبة…لذلك عبر وحي الكتاب بقوله: "الله محبة".

"6 و قال الله ليكن جلد في وسط المياه و ليكن فاصلا بين مياه و مياه 7 فعمل الله الجلد و فصل بين المياه التي تحت الجلد و المياه التي فوق الجلد و كان كذلك 8 و دعا الله الجلد سماء و كان مساء و كان صباح يوما ثانيا" ( تك 1 : 6-8 )

+ في اليوم الثاني: أو الخطوة الثانية وهي عملية التنقية الهامة جداً في حياة الإنسان. فإذا نظر أي شخص لمياه راكدة أو بركة نتنة قد تعفن ماؤها بمرور السنين ، ومات في هذه المياه حشرات ، وزواحف ، وحيوانات ، ثم تحللت. فليت الإنسان يتخيل كم سوف تكون قذارة تلك المياه التي لا يُحْتمَل النظر إليها ، بل لا يُحْتمَل السير بجوارها لرائحتها النتنة ، مع أن طبيعتها الأولى والأصلية أنها مياه فقط ، أي مياه نقية والماء جاء من اتحاد الأكسجين والهيدروجين ، وهما غازات في منتهى الخفة. والماء شفاف نقي وليس له لون. مثلما خُلق الإنسان نقياً وطاهراً ، لكن بفعل الخطية البشعة التي لوثته تغيرت طبيعته تماماً.

لكن مَنْ مِنْ البشر يتصور ويتخيل هذه المياه الملوثة - ومياه المجاري البشعة المنظر والرائحة - يمكنها أن ترجع إلى صورتها الأولى النقية. ليس فقط كذلك لكن إلى بخار ماء مكون لسحاب أبيض مثل الثلج ، بل وأبيض من الثلج طائراً فوق الأرض ليس له وزن يعكس ضوء الشمس ويبهج العينين. لكن كيف ؟؟ !!

فغير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله

+ كل هذا يحدث عندما تسقط أشعة الشمس القوية على هذه المياه الملوثة فترفع من درجة حرارتها ويتبخر الماء النقي جداً ، ويرتفع إلى أعلى بعملية فيزيقية رائعة لأن الهواء الساخن ، يرتفع لأعلى لقلة كثافته و باستمرار العملية يتكون سحاب بفعل عملية التبخير المستمرة. يُذَكِّرنا الكتاب بأن جميع الناس "الكل قد زاغوا معا فسدوا ليس من يعمل صلاحا ليس و لا واحد" (مز  14 :  3)  وكما ".. بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم و بالخطية الموت و هكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع (رو  5 :  12) "و لكن الله بين محبته لنا لأنه و نحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا" (رو  5 :  8) ونحن أعداء قد صُولِحْنا مع الله "لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو  3 :  16) فهو رجاء من ليس له رجاء معين من ليس له معين ، عزاء صغيري القلوب ، ميناء الذين في العاصف.

* وعلية التخير هي نفسها عمل الروح القدس في الإنسان. فبالإثم حُبِلَ بي وبالخطية ولدتني أمي ، لكن عقيدتنا الأرثوذكسية قادرة على عملية التحويل هذه الصعبة جداً بسر التوبة والاعتراف وسر التناول "..كي لا نعود نستعبد أيضا للخطية" (رو  6 :  6) وكلما اقترب الإنسان إلى الله ، يعمل الروح القدس فيه بقوة مثل سقوط أشعة الشمس على المياه الملوثة لتبخرها ، وهكذا تتم عملية التنقية.

وقال الله ليكن جلد في وسط المياه                   وهو الحيز الذي يفصل بين المياه التي تحته (وهو الإنسان العتيق) والمياه التي فوقه (وهو الإنسان الجديد) الذين قال عنهم السيد المسيح الذين وُلِدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد أو رجل بل من الله. فالمولود من جسد أخذ حياه فعلا من أمه ولكن هي حياة أرضية ، ويكون الإنسان جسدي أرضي مولود وهو يحمل الخطية الأولى للإنسان ، لكن الميلاد الجديد الذي أعطاه لنا الرب هو من فوق وقد قال عنه "إن كان أحد لا يُوْلَد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله"(يو  3 :  3) فالمولود من الروح أصبح روح أو جزء من الله أو ابن له بالطبيعة الجديدة ، والأروع أننا صرنا شركاء للطبيعة الإلهية( 2 بط 1 : 4 )

* ودعا الله الجلد سماء والسحاب صار فوق هذه السماء ، وهي درجة من الدرجات التي في أول الخليقة جعل الله السموات أمام الإنسان ليختار بإرادته المستوى الذي يرغب في الوصول والصعود إليه.

+ ولكن هناك شيء هام جداً مخفي في هذا الموضوع أن السحاب بعد أن يتكون إذا قابله سطح بارد يتكثف ويتحول إلى نقط من الماء ، و بفعل الجاذبية الأرضية تتساقط هذه النقاط لتكون الأمطار.

وهذا شيء خطير جداً            لم تستطع نقاط الماء العلو والطيران أعلى الجلد (السماء) لأن كثافتها ثقلت ، وعندما تسقط سوف تعود مرة أخرى.       أولاً: في الهواء تكون النقاط محتفظة بنقائها حتى هذه اللحظة مع أنها إذا فقدت طبيعتها الخفيف والبيضاء الناصعة الجميلة والقدرة على التحليق لكنها لم تفقد نقاؤها.   لكن ……مجرد سقوطها على الأرض ربما تسقط في نفس البركة النتنة التي صعدت منها وتمتزج مرة أخرى وتصير من نفس طبيعة الماء النتن ، وبعد هذا التحول والتنقية العجيبة تعود مرة أخرى. وحتى لو سقطت على أرض تكون طين وطمي غير نظيف ، لأنها فقدت صورتها التي أخذتها وهي البيضاء الأكثر من الثلج فيُذَكِرنا الكتاب بأن الخطية طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء ، ويقول الوحي المقدس "فسيروا زمان غربتكم بخوف" (1بط  1 :  17) واسلكوا "بالتدقيق لا كجهلاء بل كحكماء" (اف  5 :  15)             ويخبرنا سفر الرؤيا عن الأربع الحيوانات التي حول العرش مملوءة عيوناً. فعلى الإنسان الذي تنقى وتغير وصار أبيض مثل الثلج وصار مثل السحاب وعرف السماء أن يكون ساهراً حذراً مملوء عيوناً. فلا يظن انه قد وصل ولا يسقط مرة أخرى. فالسحاب قابل سطح بارد فتكثف وصار ماء وسقط ، فطلب الرب منا إلا نفتر وأن نسهر باستمرار ، ونعرف من أين سقطنا لنقوم باستمرار. وكما أوصانا الرب في سفر الرؤيا " كن ساهرا و شدد ما بقي …ومن يغلب فذلك سيلبس ثيابا بيضا و لن أمحو اسمه من سفر الحياة …و أعطيه سلطانا على الأمم فيرعاهم بقضيب من حديد …وأجعله عمودا في هيكل الهي" (رؤ 2 و 3)  "ها أنا آتى سريعا تمسك بما عندك لئلا يأخذ أحد إكليلك" (رؤ 3 : 11 ) فكلمة تمسك تعني أنه إذا أفلت الشيء الذي في يدي ضاع مني ، وهذا شيء خطير جداً أن يسقط الإنسان بعد كل هذا العناء والتحول والبياض. فلهذا يحذرنا الرب دائما بقوله "اسهروا إذا و تضرعوا في كل حين لكي تحسبوا أهلا للنجاة.." (لو  21 :  36)

وفي كل يوم يقول الوحي "وكان مساء وكان صباح" أي مهما وصلنا من الكمال في كل خطوة أو درجة ، فلنتذكر أننا كنا ظلام وصرنا في النور ويجب ألا ننسى هذا أننا إن سرنا وراء الرب نثق سنصل إلى المدينة السمائية موطننا الأصلي ، وعلينا أن نتذكر دائما قوله التفتوا إلى فتخلصوا ومن لا يسير في طريقه لم ولن يصل للحياة لأنه ما أوسع الباب ورحب الطريق المؤدي للهلاك.

أما الرب فيقول:

أنا هو الطريق .. والحق ..  والحياة

 الذهاب لأعلى الصفحة


التحكم في الصوت

 

الصفحة الرئيسـية المعـجـزة
هذه هي إرادة الله